![]()
“أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا”..
تأكيد على سنن الله الجارية
“أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا”..
تأكيد على سنن الله الجارية
تبدأ سورة العنكبوت، بمقدمة قوية تؤسس لمبدأ إيماني عظيم، وهو أن الإيمان ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو ابتلاء وصبر وثبات. فنزول الإيمان في القلوب يستلزم احتمال المشقة ومواجهة الفتن التي تتمحص بها القلوب ويتميز بها الصادق من الكاذب.
وقد جاءت الآيتان الأوليان من السورة: “ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”. لتؤكدا هذا المعنى وتردّ على حالة واقعية عاشها المسلمون في مكة والمدينة، إذ تعرضوا لاضطهاد شديد وفتن متنوعة في سبيل الثبات على الإيمان.
سبب النزول وفق رواية الشعبي
وذكر الشعبي أن الآية نزلت في عدد من المسلمين الذين كانوا في مكة قد أقرّوا بالإسلام، لكنهم لم يهاجروا بعد إلى المدينة، وقد كتب إليهم الصحابة من المدينة قائلين: لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا.” فقرر هؤلاء المسلمون الخروج من مكة مهاجرين إلى المدينة، فعلم المشركون بخروجهم، فتبعوهم في الطريق وآذوهم، فثبت منهم من ثبت، وابتُلي بعضهم حتى قُتل.
وعندها نزل قول الله تعالى فيهم: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”. لتبين أن الابتلاء سنة جارية على المؤمنين، وأن الهجرة والتمسك بالدين لا يأتيان دون فتنٍ وامتحانات.
ثم نزل بعدها قوله تعالى: “ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا…”، تثبيتًا لهم وإقرارًا بصدق هجرتهم وصبرهم.
وقد كتب الصحابة الآية إلى المسلمين في مكة ليخبروهم أن الله قد أنزل في شأنهم قرآنًا، فقالوا: “نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه”. فخرجوا مرة أخرى، فتعرضوا لقتال المشركين، فقُتل بعضهم ونجا البعض الآخر، ونزلت الآيات تثبيتًا لهم وترغيبًا في الصبر.
سبب النزول وفق رواية مقاتل
بينما ذكر مقاتل، أن الآية نزلت أيضًا في مهجع مولى عمر بن الخطاب، وكان أول قتيل من المسلمين يوم بدر. إذ رماه عمرو بن الحضرمي بسهم فاستشهد، فقال النبي ﷺ يومها:”سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.” فحزن عليه أبواه وزوجته حزنًا شديدًا، فنزلت الآية تبيّن أن طريق الإيمان لا يخلو من مشقة وبلاء، وأن ما أصاب مهجع وأهله جزء من سنن الابتلاء في سبيل الله.



