![]()
تفكيك سردية جورج سيل عن الإسلام
وبيان مواضع الخلل في فهمه للقرآن
لم يكن جورج سيل أول من حاول قراءة الإسلام من خارج لغته، لكنه كان من أوائل من صاغوا تلك القراءة في قالب بدا علميًا في زمانه، بينما كان يحمل في جوهره إسقاطات ثقافية ولاهوتية لا تمت إلى النص القرآني بصلة. ففي ترجمته الشهيرة “The Koran, commonly called the Alcoran” الصادرة عام 1734، قدّم سيل صورة للإسلام بوصفه دينًا غامضًا، متوترًا، ومشحونًا بالتحريض، مستندًا إلى خلفية مسيحية أوروبية كانت تنظر إلى الشرق من خلال مرآة مشروخة. وما بين النص الأصلي وروح القرآن، ضاعت المعاني، وتحوّلت الترجمة إلى تأويل، والتأويل إلى حكم مسبق، والحكم إلى سردية استمرت قرونًا.
قراءة مشروطة بثقافة المترجم لا بروح النص
كان سيل ابن عصره، عصرٍ كانت فيه أوروبا تعيد تشكيل هويتها الدينية والسياسية، وتبحث عن “الآخر” لتثبيت صورتها عن ذاتها. وحين اقترب من القرآن، لم يقترب منه بوصفه نصًا عربيًا له بنية لغوية خاصة، بل بوصفه نصًا يجب أن يُقرأ من خلال المفاهيم اللاهوتية المسيحية. وهنا وقع الخلل الأكبر؛ إذ أسقط مفاهيم الخطيئة والفداء والتجسد على نص لا يعرف هذه البنية أصلًا، فشوّه المعاني، وفسّر الآيات وفق منظومة لاهوتية غريبة عنها. والنتيجة كانت تقديم الإسلام كدين “غامض” لا لأنه كذلك، بل لأن المترجم لم يمتلك أدوات فهمه، ولا مفاتيح لغته، ولا سياق نزوله.
اتهام الإسلام بالعنف… قراءة مبتورة تتجاهل السياق
من أبرز ما ركّز عليه سيل هو تصوير الإسلام كدين يحضّ على العنف، مستندًا إلى آيات القتال دون النظر إلى سياقها التاريخي واللغوي. فالقرآن حين تحدث عن القتال، تحدث عنه في إطار الدفاع، وردّ العدوان، وحماية حرية المعتقد، لا في إطار الهجوم أو الإكراه. لكن سيل، بتأثره بالقراءة المسيحية الأوروبية التي كانت ترى في “الجهاد” مرادفًا للحرب الدينية، تجاهل أن القرآن يربط القتال بالضرورة الأخلاقية، ويضع له حدودًا صارمة، ويقدّم السلم على الحرب كلما أمكن. وهكذا تحوّل النص في ترجمته إلى نص “محارب”، بينما هو في أصله نصّ يوازن بين القوة والرحمة، وبين الحق والعدل.
غياب المنهج اللغوي… وتحويل الترجمة إلى تأويل
القرآن نص عربيّ في أعلى درجات البلاغة، يعتمد على الإيجاز، والتضمين، والبيان، والتشبيه، والتكرار الفني، وكلها أدوات لا يمكن نقلها إلى لغة أخرى دون معرفة دقيقة بأسرار العربية. لكن سيل لم يكن متمكنًا من العربية إلى الحد الذي يسمح له بفهم هذه الطبقات، فترجم الكلمات بمعانيها السطحية، وأهمل دلالاتها السياقية، وأعاد صياغة بعض الآيات بما يتوافق مع تصوره المسبق. وهذا ما جعل ترجمته أقرب إلى “شرح لاهوتي” منها إلى ترجمة علمية. بل إن بعض تعليقاته كانت تحمل نبرة استعلائية، تُظهر النص وكأنه نتاج بيئة بدائية، لا نصًا يؤسس لحضارة امتدت قرونًا.
أثر الترجمة في تشكيل صورة الإسلام في الغرب
لم تكن ترجمة سيل مجرد عمل لغوي، بل كانت حدثًا ثقافيًا أثّر في الوعي الأوروبي لسنوات طويلة. فقد اعتمد عليها كتّاب ومفكرون ومستشرقون لاحقون، فانتقلت أخطاؤه من جيل إلى جيل، حتى أصبحت جزءًا من “الصورة النمطية” عن الإسلام. ومع ذلك، فإن النقد العلمي الحديث كشف هذه الأخطاء، وبيّن أن المشكلة لم تكن في القرآن، بل في طريقة قراءته. فالنص الذي صُوّر على أنه غامض، هو في الحقيقة نصّ واضح لمن يعرف لغته. والنص الذي قُدّم على أنه عنيف، هو نصّ يضع للقتال ضوابط أخلاقية لا توجد في كثير من النصوص الدينية الأخرى. والنص الذي وُصف بأنه متناقض، هو نصّ متماسك في بنيته، متسق في مقاصده، عميق في رؤيته للإنسان والكون.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسلام والعنف, الاستشراق, السياق اللغوي, النص القرآني, تحريف المعاني, ترجمة القرآن, جورج سيل, قراءة غربية



