![]()
القيام في الصلاة..
ركنٌ تتجلى فيه هيبة العبادة
القيام في الصلاة لحظة انبعاث داخلي، تنهض فيها الروح قبل أن ينهض البدن، ويستعيد فيها الإنسان مكانته الحقيقية بوصفه عبدًا يقف بين يدي مولاه. إن هذا الركن الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، يحمل في جوهره سرّ الخشوع، وملامح الهيبة، وعمق الارتباط بين الفقه والروح، بين الحكم الشرعي والمقصد الإيماني.
وقد اتفق الفقهاء على أن القيام في الصلاة المفروضة ركن لا تصح بدونه لمن قدر عليه، لأنه الموضع الذي يتحقق فيه معنى المثول بين يدي الله. فالوقوف ليس حركة جسدية فحسب، بل إعلانٌ صامت بأن العبد قد ترك الدنيا خلفه، ووقف ببدنه وقلبه في مقام المناجاة. وقد ربطت النصوص بين القيام والقراءة، لأن القرآن يُتلى في هذا الموضع الذي يجمع بين السكون الظاهر والاهتمام الباطن. ومن هنا كان القيام رمزًا للجدية في العبادة، وميزانًا يختبر به المصلي صدق حضوره.
البعد الروحي للقيام.. نهوض للقولوب قبل الأجسام
في الفقه، يُبحث القيام من حيث شروطه وأحكامه، لكن في التجربة الإيمانية، يأخذ القيام بعدًا آخر. فالمؤمن حين يقف، يترك خلفه ثقل الحياة، ويستقبل القبلة بقلبٍ يطلب الهداية. إن هذا الوقوف يشبه لحظة ترتيب الداخل، حيث يهدأ الاضطراب، ويستعيد الإنسان توازنه. ولعل سرّ الخشوع يبدأ من هنا: من لحظة إدراك أن القيام ليس مجرد امتثال، بل هو انتقال من عالم إلى عالم، ومن انشغال إلى حضور، ومن تشتت إلى تركيز. ولهذا كان القيام الطويل من صفات المتهجدين، لأنه يفتح بابًا لصفاء لا يُنال إلا بالصبر على الوقوف.
أحكام القيام بين القدرة والرخصة
رغم مكانة القيام، إلا أن الفقه الإسلامي بمرونته المعهودة راعى أحوال الناس، فجعل القيام واجبًا على القادر، ورخّص للعاجز أن يصلي جالسًا أو على جنبه، دون أن ينقص ذلك من أجره شيئًا. فالشريعة لا تُعظّم الهيئة على حساب المقصد، ولا تُكلّف الإنسان ما لا يطيق. ومع ذلك، يبقى القيام هو الأصل، لأنه يجمع بين الامتثال الظاهر والخضوع الباطن، ويُظهر أثر العبادة على الجسد كما تظهر على القلب. وقد توسع العلماء في بيان حدّ القيام، وما يتحقق به، وكيف يُراعى فيه الاستطاعة، ليظل الحكم الشرعي متوازنًا بين النص والواقع.
القيام بوصفه مدرسة للانضباط والسكينة
من يتأمل القيام في الصلاة يدرك أنه ليس مجرد ركن، بل مدرسة تربوية تُعلّم الإنسان الانضباط. ففي زمن تتسارع فيه الحركات وتتشتت فيه الأفكار، يأتي القيام ليعيد ترتيب الإيقاع الداخلي، ويُعلّم المصلي معنى الثبات. إن الوقوف بين يدي الله يزرع في النفس سكينة لا تُشبهها سكينة أخرى، ويُعيد للإنسان قدرته على التحكم في جسده وفكره. ومن هنا، يصبح القيام تدريبًا يوميًا على الصبر، وعلى احترام اللحظة، وعلى إدراك أن العبادة ليست كلمات تُقال، بل حضورًا يُعاش.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الانضباط, الخشوع, السكينة, العبادة, الفقه الإسلامي, القيام في الصلاة, ركن الصلاة



