![]()
الخطيب بين العقل والعاطفة:
حين يتجاور البرهان مع الوجدان
الخطابة في جوهرها، ليست فنّ الإقناع فحسب، بل فنّ موازنةٍ دقيقة بين عقلٍ يريد أن يُفهِم، وعاطفةٍ تريد أن تُلهِم، وحين ينجح الخطيب في جمعهما، يصبح صوته أشبه بجسرٍ يربط بين ضفّتين: ضفّة الفكر وضفّة الإيمان.
العقل: ميزان الخطيب وعمود خطابه
لا ينهض خطابٌ بلا عقل، ولا يستقيم منبرٌ بلا برهان. فالعقل هو الحارس الذي يمنع الكلمات من الانزلاق إلى التهويل أو التهوين، وهو الميزان الذي يزن الحجج قبل أن تُلقى على الأسماع. والخطيب الذي يعي قيمة العقل لا يكتفي بسرد النصوص، بل ينسج بينها روابط، ويقدّمها في سياقٍ يفتح أبواب الفهم. إنّه يدرك أنّ المستمع لا يريد معلومةً فحسب، بل يريد رؤيةً تُنير له الطريق، وتجعله قادرًا على التمييز بين ما يُقال وما يُراد.
العاطفة: حرارة الإيمان ونبض الرسالة
لكن العقل وحده لا يكفي. فالكلمة التي لا حرارة فيها تموت قبل أن تبلغ القلب. والعاطفة ليست نقيضًا للعقل، بل جناحه الآخر. الخطيب الذي يملك القدرة على إشعال الوجدان دون أن يحرقه، هو الذي يزرع في المستمعين شعورًا بأنّ الرسالة ليست فكرةً تُفهم فقط، بل حياةٌ تُعاش. إنّ نبرة الصوت، وصدق الانفعال، ودفء العبارة، كلها عناصر تجعل الخطاب أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على تحريك ما سكن فيهم من إيمان.
موازنة البيان والإيمان: فنّ الجمع بين قوتين
هنا تتجلّى براعة الخطيب: أن يقدّم خطابًا لا يطغى فيه العقل على العاطفة، ولا العاطفة على العقل. فالمبالغة في العقلانية قد تُحوّل الخطبة إلى درسٍ جاف، والمبالغة في العاطفة قد تُغرقها في انفعالٍ عابر. أما الموازنة، فهي أن يخرج المستمع وقد امتلأ قلبه دفئًا، وامتلأ عقله وضوحًا. إنّها معادلة دقيقة، تشبه عزفًا على وترين مختلفين، لكنهما يصنعان لحنًا واحدًا حين يتقنهما العازف.
الخطيب المعاصر: بين تحديات الواقع واحتياجات الجمهور
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتسارع فيه الأخبار، لم يعد الخطيب قادرًا على الاكتفاء ببلاغة الماضي. إنّه مطالب بأن يفهم جمهوره، وأن يقرأ تحوّلات المجتمع، وأن يقدّم خطابًا يجيب عن أسئلة الناس لا عن أسئلة التاريخ فقط. والخطيب المعاصر الناجح هو الذي يطوّع أدوات العصر دون أن يتخلّى عن أصالة البيان، ويستثمر لغة الإعلام دون أن يفقد روح المنبر. إنّه يقدّم خطابًا حيًّا، قادرًا على أن يلمس الإنسان في قلقه، وفي بحثه عن معنى، وفي توقه إلى كلمةٍ صادقة تُعيد ترتيب الفوضى داخله.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإقناع والتأثير, البلاغة, التوازن بين العقل والعاطفة, الخطاب الديني, الخطاب الفكري, الخطابة, الخطيب, العاطفة في الخطاب, العقل في الخطاب, المنبر, فن الخطابة



