![]()
“يدخل القوي على الضعيف ولا عكس”..
ضبط التداخل بين الأحكام الشرعية
“يدخل القوي على الضعيف ولا عكس”..
ضبط التداخل بين الأحكام الشرعية
تُعد قاعدة “يدخل القوي على الضعيف ولا عكس” من القواعد الفقهية الشهيرة التي تُستخدم في فروع متعددة من الفقه الإسلامي، خاصة في أبواب الطهارة والعبادات، وتهدف إلى ترجيح الحكم الأقوى عند التداخل بين حكمين شرعيين مختلفين.
ويقصد بالـ”قوي” هنا الحكم الثابت بأصل شرعي راجح أو الذي يحتاط فيه أكثر، بينما “الضعيف” هو الحكم الثانوي أو الذي يقوم على تخفيف أو رخصة. فإذا اجتمع حكمان شرعيان على محل واحد، وكان بينهما تعارض أو تداخل، يُقدَّم الحكم الأقوى ويُلغى أثر الأضعف.
أمثلة فقهية من أبواب الطهارة
من أشهر تطبيقات هذه القاعدة ما يرد في باب الطهارة، خاصة عند اجتماع الطهارتين:
فمثلاً، إذا شكَّ شخصٌ في كونه متوضئًا ثم تيقن من أنه قد أصابته نجاسة، فإنه يبدأ بإزالة النجاسة قبل أن يتوضأ، لأن إزالة النجاسة حكم “قوي”، بينما الوضوء حكم “ضعيف” باعتبار الترتيب والأولوية في التطهير.
كذلك إذا أراد شخص أن يغتسل غُسل الجنابة وكان على بدنه نجاسة، فإن عليه أن يزيل النجاسة أولًا، ثم يغتسل، ولا يصح العكس، لأن إزالة النجاسة مقدمة على الغُسل.
تطبيق القاعدة في الصلاة والعبادات
في الصلاة أيضًا نجد حضور هذه القاعدة، فإذا دخل وقت الصلاة وشك المصلي في طهارته، فإنه يعيد الطهارة قبل أن يؤدي الصلاة، حتى لا يؤدي العبادة بالحكم الضعيف (الشك)، بل يقدِّم الحكم القوي (اليقين بعدم الطهارة أو الشك فيها).
كما تُستخدم القاعدة عند التداخل بين صلاتين، فلو دخل وقت صلاة المغرب وكان الإنسان قد نوى جمع التأخير للعشاء مع المغرب، فإنه يقدم الصلاة الحاضرة (المغرب)، لأن أداء الصلاة في وقتها حكم قوي، بينما الجمع رخصة.
ولا يقتصر تطبيق القاعدة على العبادات، بل يمتد إلى المعاملات والعقود. فإذا اجتمع في عقدٍ ما شرط قوي يحقق مصلحة معتبرة وشرط ضعيف يُخالف أصل العقد أو يضره، فإن الفقهاء يُعملون بالشرط القوي ويُلغون الأضعف، حماية لمقاصد الشريعة في حفظ الحقوق.
ومثال ذلك: إذا اشترط أحد الطرفين في البيع شرطًا فاسدًا يُخالف مقتضى العقد (كشرط الربا)، يُلغى الشرط ويُنفذ العقد إن أمكن بدونه، لأن صحة العقد حكم قوي مقدم على شرط باطل ضعيف.
ورغم أهمية القاعدة، إلا أن العلماء شددوا على ضرورة مراعاة الضوابط عند تطبيقها. فلا يصح اعتبار الحكم قويًّا إلا إذا كان له أصل ثابت في القرآن أو السنة أو الإجماع، أو كان راجحًا بالأدلة. كما أن المقارنة بين “القوي” و”الضعيف” يجب أن تتم وفق قواعد الأصول والقياس الشرعي، لا بمجرد الظن أو العادة.
كذلك يجب مراعاة السياق، فقد يكون الحكم في موضعٍ قويًّا، لكنه في موضع آخر يصبح أضعف بسبب اختلاف الحال أو النية أو الظرف.
قاعدة “يدخل القوي على الضعيف ولا عكس” تُعد من القواعد المهمة التي تحقّق الانضباط الفقهي والاتساق بين الأحكام الشرعية، خاصة في المسائل التي تتعدد فيها الأقوال أو تتزاحم فيها الاعتبارات.



