![]()
أبو جعفر المنصور وبناء بغداد:
الدولة المركزية وعقل الإدارة الإسلامية
أبو جعفر المنصور وبناء بغداد:
الدولة المركزية وعقل الإدارة الإسلامية
حين نذكر بغداد، فإننا لا نستحضر مجرد مدينة، بل نعود إلى لحظة فارقة في التاريخ الإسلامي، حيث تجسدت الرؤية السياسية والإدارية في مشروع عمراني أصبح لاحقًا قلب الحضارة العباسية. لقد كان الخليفة أبو جعفر المنصور صاحب عقلية تنظيمية فذة، جمع بين الحزم السياسي والقدرة على التخطيط، فجعل من بناء بغداد رمزًا للدولة المركزية ومرآة لعقل الإدارة الإسلامية.
بغداد: رؤية سياسية قبل أن تكون مدينة
لم يكن اختيار موقع بغداد اعتباطيًا، بل جاء بعد دراسة دقيقة لموقعها الجغرافي على ضفاف دجلة، حيث تتقاطع طرق التجارة وتلتقي الحضارات. أراد المنصور أن تكون العاصمة الجديدة مركزًا سياسيًا وإداريًا يرسخ سلطة الدولة العباسية، بعيدًا عن الانقسامات التي شهدتها الكوفة والبصرة. بهذا القرار، جسّد المنصور فكرة الدولة المركزية التي تُدار من قلب واحد، يوزع سلطته على الأطراف.
العقل الإداري في تخطيط المدينة
بغداد لم تُبنَ كمدينة عادية، بل كعاصمة مصممة وفق رؤية إدارية محكمة. فقد شُيدت على هيئة دائرية، عُرفت بـ”المدينة المدورة”، حيث يتوسطها قصر الخليفة والمسجد الجامع، ومن حولهما تتوزع الدوائر الإدارية والوظائف الحيوية. هذا التخطيط لم يكن مجرد هندسة عمرانية، بل كان انعكاسًا لفكرة أن الخليفة هو المركز، ومنه تنطلق القرارات إلى سائر أنحاء الدولة.
بغداد مركزًا للعلم والاقتصاد
سرعان ما تحولت بغداد إلى أكثر من مجرد عاصمة سياسية؛ أصبحت مركزًا للعلم والاقتصاد والثقافة. فقد اجتذبت العلماء والفقهاء والأطباء من مختلف الأقاليم، وأسست لنهضة معرفية امتدت قرونًا. كما ساهم موقعها التجاري في جعلها ملتقى للتجار من الشرق والغرب، ما عزز قوتها الاقتصادية ورسخ مكانتها كعاصمة عالمية.
الدولة المركزية والهوية الإسلامية
بناء بغداد لم يكن مجرد مشروع عمراني، بل كان إعلانًا عن هوية الدولة العباسية كدولة مركزية قوية، تعتمد على عقل إداري إسلامي يوازن بين السلطة والتنظيم. لقد جسّد أبو جعفر المنصور في مشروعه فكرة أن الإدارة الإسلامية ليست مجرد أحكام شرعية، بل هي أيضًا عقل سياسي قادر على التخطيط وبناء مؤسسات تدوم وتزدهر.



