![]()
الدعوة بالتواضع والرفق..
لغة القلوب التي لا تُقاوم
الدعوة بالتواضع والرفق..
لغة القلوب التي لا تُقاوم
الدعوة بالتواضع والرفق مثل نهر هادئ ينساب إلى الأعماق، فيروي القلوب الظمأى قبل العقول المتحفزة، إنها ليست تكتيكاً مؤقتاً بقدر ما هي جوهر الرسالة نفسها؛ فالذي يدعو إلى الله هو في الحقيقة يدعو إلى الرحمة، والرحمة لا تكون إلا بلين الجانب وخفض الجناح. إن التواضع يخلع عن الداعية رداءَ التكبر الذي ينفّر، والرفق ينزع من خطابه نزعةَ العنف التي تُنفِر، فيلتقيان ليُقدما صورة الإسلام في أبهى حُلَته: دين يهابك في حلمه، لا يهاب من حِدّته.
التواضع: الباب الملكي للقلوب
البعض يتصور خطأ أن التواضع مجرد انكار في الشخصية، ولكنه في الحقيقة على العكس من ذلك، فهو قوةٌ داخلية تتيح للداعية أن يصل إلى الناس حيث هم، لا أن يطلب منهم الصعود إلى حيث هو. المتواضع يخلع عن نفسه صورة “المُعْطِي” الفوقي، ليرتدي صورة “الأخ” المُشارك في رحلة البحث عن الحقيقة. لقد امتدح الله تعالى هذه الخلة في أنبيائه، فقال عن عباده المؤمنين: “وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” (الشعراء: 215). والداعية المتواضع يعترف أنه ناقلٌ للهدى، وليس مصدره، فيكون أقرب إلى القبول، لأن كلمته تخلو من نبرة الوصاية والإملاء. إنه يسمع أكثر مما يتكلم، ويعترف بجهده قبل علمه، فيكسر الحواجز النفسية التي يبنيها الغرور بين الداعية والمدعو.
الرفق: القوة الناعمة التي تكسر الصخور
أما الرفق، فهو سلاح الداعية الحقيقي. لقد لخص النبي ﷺ هذه القاعدة الذهبية في كلمته الخالدة: “إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ” (رواه مسلم). الرفق هو الجسر الذي تعبر عليه الحكمة من عقل الداعية إلى قلب المدعو. إنه التعامل مع الناس على قدر عقولهم وظروفهم وأحوالهم النفسية، فهو ليس ضعفاً ولا تساهلاً في الدين، بل هو ذروة القوة والسيطرة على النفس. بالرفق يمكن للداعية أن يُصحح خطأً دون أن يُجرح كرامة، ويُقوِّم اعوجاجاً دون أن يكسر نفساً، ويوصل فكرة صعبة في قالب سهل مستساغ. إنه فن إدارة الخلاف بالحسنى، وتحويل المواجهة إلى حوار.
النبي ﷺ: النموذج الأكمل للتواضع والرفق
لقد كان رسول الله ﷺ التجسيد الحي لهذه المعاني. ففي تواضعه، كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم، ويبدأ من يلقاه بالسلام، ويسمع من الصغير والكبير. وفي رفقه، كانت تعامله مع الجاهل الذي بال في المسجد، أو مع المرأة العجوز التي سألته بجفاء، أو مع الشاب الذي استأذنه في الزنا. لم يكن ردعه عن المنكر بقسوة اللسان، بل بحكمة القلب التي تصل إلى الأعماق. لقد قال الله تعالى عنه: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (آل عمران: 159). فكان لِينه ورفقه هو السبب الرئيس في تآلف القلوب من حوله وتماسك الجماعة.
التواضع والرفق: استراتيجية دعوية لا تفشل
إن الدعوة بهذين الخُلُقين استراتيجية حكيمة، لأنها:
- تجذب ولا تنفِّر: فالإنسان بفطرته ينبذ من يتعالى عليه، ويقبل من يلاطفه ويلين جانبه.
- تحفظ كرامة المدعو: فالدعوة هدفها رفع الإنسان، لا إذلاله وإشعاره بالدونية.
- تؤهل الداعية ليكون قدوة: فالناس قد تنسى ما يقول، ولكنهم قلما ينسون كيف كان يعاملهم.
- تتماشى مع روح العصر: الذي يرفض الخطاب الاستعلائي ويقدّر الحوار المتكافئ بين الأطراف.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخلاق الداعية, الخطاب الرحيم, الدعوة بالتواضع, الدعوة بالرفق, القدوة الحسنة, النموذج النبوي, جذب القلوب, خفض الجناح, فن الحوار الدعوي, لين الجانب



