![]()
الدعوة بالموعظة الحسنة..
حين يتكلّم السُّلوك قبل الكلام
الدعوة بالموعظة الحسنة..
حين يتكلّم السُّلوك قبل الكلام
الدعوة إلى الله نورٌ يشعّ من القلب فيضيء المسالك، وحُسنٌ يَنبُع من السلوك فيُحيي القلوب، فهي ذلك الفنّ الراقي الذي لا يحتاج إلى صخب الميكروفونات بقدر ما يحتاج إلى صدق النوايا وجمال الأفعال. فالدعوة بالقدوة هي اللغة الأم التي يفهمها كل إنسان، بغض النظر عن لغته أو ثقافته، لأنها لغة الوجدان المشترك والشهادة الحيّة. إنها الكلمة التي تُكتَب بأحرف من ضوء السلوك، فتقرأها العيون قبل الآذان، ويصدقها القلب قبل العقل.
القدوة: البلاغ الذي لا يحتاج إلى ترجمان
الدعوة دائماً تمثل “رسالة وجود” يختصرها حاملها بوجوده ذاته، يقول الله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” (فصلت: 33). لقد جعلت الآية الكريمة العمل الصالح قرين الدعوة وشرطاً لحُسن القول. فالقدوة الحسنة هي الدليل العملي على صدق المنهج وجدوى التطبيق وقابلية المبادئ للحياة. إنها تجعل الدين مقنعاً لأنه يرتبط بصورة إنسان متوازن، سوي، مُسالم، نافع. الناس قد تشكُّ في الكلمات، لكنها قلما تشكُّ في صورة الإنسان الذي يفيض رحمةً وعدلاً وصبراً.
السلوك: المنبر الصامت الأكثر تأثيراً
يُخطئ من يظن أن الدعوة محصورةٌ في المساجد أو المحاضرات. إن منبر الدعوة الأوسع هو عالم الواقع بأسره: في السوق حين يكون البائع أميناً، في الطريق حين يكون السائق متسامحاً، في البيت حين يكون الزوج رحيماً، في العمل حين يكون الموظف متقناً، في الأزمات حين يكون المرء صبوراً شاكراً. هذه المواقف اليومية هي محكّ الإيمان الحقيقي، وهي التي تترك أثراً لا يمحى في نفوس المُشاهدين. الداعية بسلوكه هو أول مستمع لكلماته، فإذا رآها واقعاً حياً في نفسه، اطمأنت إليه قلوب الآخرين. إنه يُعلّم بالأخلاق قبل أن يُعلّم بالأقوال.
النبي ﷺ: الأسوة الكاملة والقدوة المتكاملة
لقد كان الرسول محمد ﷺ التجسيد الحي لهذه الدعوة. لم تكن سيرته مجموعة خطبٍ مسجلة فحسب، بل كانت “قرآناً يمشي على الأرض”. لقد دخل الناس في دين الله أفواجاً لمجرد رؤية أخلاقه ﷺ قبل سماع تعاليمه. كان خلقه القرآن، فجذب القلوب بصدقه وأمانته ورحمته وعدله حتى مع أعدائه. لخصت السيدة عائشة رضي الله عنها منهج دعوته ﷺ في عبارة خالدة: “كان خلقه القرآن”. فكانت حياته كلها دعوة عملية، تعلّم الناس كيف يكون الإيمان ليناً في غير ضعف، وقوياً في غير عنف، ورحيماً في كل الأحوال.
إعادة بناء الثقة: الدعوة كرسالة مصالحة مع الفطرة
تظهر الدعوة بالقدوة كرسالة مصالحة مع الفطرة الإنسانية السليمة التي تبحث عن النماذج الصادقة. إنها تبني جسراً من الثقة بين المبادئ المجردة والتطبيق العملي. عندما يرى الناس مسلماً يصلي ثم يراه يقف مع المظلوم، أو يسمعوه يذكر الله ثم يراه صادقاً في معاملته، فإن الحواجز تتهاوى من تلقاء نفسها. الدعوة بالسلوك هي دعوة هادئة واثقة، لا تفرض نفسها، بل تجذب إليها، لأنها تقدم الدين في أبهى حُلَته: كمنهج حياة يُسعد الإنسان ويُصلح المجتمع.



