![]()
الميتة.. حين يصبح التحريم رسالة مقاصدية
التحريم في الشريعة الإسلامية رسالة مقاصدية عميقة، تحمل في طياتها أسرارًا من العناية الإلهية بالإنسان، جسدًا وروحًا وعقلًا.
ومن أبرز تلك الأحكام تحريم أكل الميتة، الذي قد يبدو لأول وهلة أمرًا متعلقًا بالطعام، لكنه في الحقيقة بابٌ واسع من أبواب حفظ النفس، وصيانة الكرامة، وتحقيق مقاصد الشريعة الكبرى.
الميتة بين النص والمقصد
القرآن الكريم جاء بتحريم الميتة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وهو نصٌّ قطعي الدلالة، لا يحتمل التأويل في أصل الحكم. لكن وراء هذا النص مقصدٌ عظيم، إذ إن الميتة تحمل في ذاتها معنى الفساد، فهي جسدٌ فقد الحياة، وتحوّل إلى بيئةٍ للضرر والمرض. فالمقصد هنا ليس مجرد منع الأكل، بل حماية الإنسان من أن يتناول ما يفسد صحته ويهدر كرامته.
حفظ النفس.. جوهر التحريم
من أعظم مقاصد الشريعة حفظ النفس، والميتة بطبيعتها تحمل أخطارًا على الجسد، من فسادٍ وتلوثٍ وأمراضٍ قد تفتك بالإنسان. فكان التحريم هنا تجسيدًا عمليًا لهذا المقصد، ليبقى الإنسان في دائرة السلامة، بعيدًا عن مواطن الهلاك. إن البلاغة القرآنية في ربط التحريم بالميتة تكشف عن عنايةٍ دقيقة، تجعل من كل حكمٍ شرعي سياجًا يحمي الحياة.
الميتة والكرامة الإنسانية
التحريم لا يقف عند حدود الصحة الجسدية، بل يتجاوزها إلى معنى الكرامة الإنسانية. فالإنسان مكرّم عند الله، وأكله لجسدٍ فقد الحياة يناقض هذا التكريم، ويهبط به إلى مستوى لا يليق بإنسانيته. هنا يظهر البعد المقاصدي في التحريم، حيث يُراد للإنسان أن يبقى في دائرة الطهر والنقاء، بعيدًا عن مواطن الدنس والمهانة.
الميتة بين الضرورة والرخصة
من لطائف فقه المقاصد أن التحريم ليس مطلقًا بلا استثناء، بل جاء القرآن بالرخصة في حال الضرورة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. هذه الرخصة تكشف عن مرونة الشريعة، وأن مقصدها الأعظم هو حفظ النفس، حتى لو كان ذلك بأكل الميتة عند الضرورة القصوى. وهنا يتجلّى التوازن بين النص والمقصد، بين التحريم والرخصة، في صورةٍ بديعة من صور الإعجاز التشريعي.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإعجاز التشريعي, الرخصة, الضرورة, القرآن الكريم, الكرامة الإنسانية, تحريم الميتة, حفظ النفس, فقه المقاصد



