![]()
الزهد.. تحرير القلب من أسر الدنيا
تتشابك دروب البشر بين لهاث وراء متاع زائل، وتنافس على مظاهر براقة، حتى يغدو القلب مثقلاً بأثقال الطمع وأسيرًا لأوهام التملك. وفي خضم هذا الصخب، يبرز مقام رفيع يحرر الروح من أغلال الدنيا، هو مقام الزهد؛ مقام يُعيد للإنسان توازنه، فيجعله سيدًا على دنياه لا عبدًا لها، مالكًا لشهواته لا مملوكًا بها.
والزهد ليس انقطاعًا عن العمل، ولا امتناعًا عن الحلال الطيب، بل هو صفاءٌ داخلي يجعل الدنيا في اليد لا في القلب. قال تعالى: “لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ” [الحديد: 23]، فهذه الآية تلخص روح الزهد: توازن لا إفراط فيه ولا تفريط، فلا حسرة على ماضٍ فات، ولا انبهار بزينة آنية.
وقد روى الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». وفي هذا الحديث الشريف تأكيد أن الزهد لا يثمر فقط حب الله، بل ينعكس أثره على العلاقات الإنسانية فيجعل صاحبه عزيزًا بين الناس، لا يمد يده طمعًا فيما عندهم، ولا يلهث وراء عطاياهم.
أما العلماء فقد أحسنوا بيان حقيقته، فقال الإمام أحمد: «الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام، وترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، وترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين». وهكذا يظهر أن الزهد ليس مرتبة واحدة، بل درجات يرتقي فيها القلب حتى يبلغ قمة الصفاء.
ولعل أبرز ما يميز الزهد عن الفقر أنّ الفقر قد يكون قهريًا يبتلى به المرء، بينما الزهد اختيارٌ واعٍ. فقد يكون الغني زاهدًا إذا لم يستعبد قلبه ماله، بل سخّره في سبيل الله، وقد يكون الفقير غير زاهد إذا بقي قلبه معلقًا بما في أيدي الناس. فالزهد ليس في قلة ذات اليد، وإنما في قلة التعلّق، وهو ما عبّر عنه الحسن البصري بقوله: «ليس الزهد بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك».
إن جوهر الزهد أن يرى المؤمن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن يدرك أنها ظل زائل لا يُستظل به طويلًا، فيُقبل على الآخرة بقلب خفيف لم يُثقله التعلق بالعرض الفاني. وبذلك يحقق صفاءً يورث الطمأنينة، وقوةً داخلية تحرره من الاضطراب، ويغدو سائرًا إلى الله بقدمين ثابتتين وقلب مطمئن.
فالزهد ليس انطفاءً عن الحياة، بل هو إشراقٌ فيها؛ ليس انزواءً عن الكون، بل هو مشاركة فيه بعين بصيرة وقلب موصول بالله، حتى إذا أخذ المؤمن من الدنيا أخذها بحق، وإذا تركها تركها بكرامة، وصدق فيه قول النبي ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» [رواه مسلم]، فالمؤمن الزاهد يراها سجنًا يُحبسه عن ملذاته، لكنه في الحقيقة يُنقذ قلبه من أسرها ليتهيأ لنعيم لا يزول.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الزهد, الزهد في الاسلام, مفهوم الزهد



