![]()
رخصة المسح.. تيسير الطهارة بين النص والإجماع
لم يكن الفقه الإسلامي يوماً مجرد منظومة أحكام جامدة، بل جاء متشابكاً مع حاجات الناس، يرفع عنهم الحرج ويحقق مقاصد الشريعة في التيسير. ومن أروع صور هذا التيسير ما ورد في المسح على الخفين والجوارب، والعمامة والجبيرة، حيث جعل الشرع لهذه الحاجات اليومية حكماً شرعياً واضحاً، يؤكد أن الدين مبني على رفع المشقة، دون تفريط في جوهر العبادة.
المسح على هذه الألبسة أو الحوائل ليس استثناءً شاذاً، بل رخصة ثابتة بالسنة والإجماع، مارسها الصحابة وأقرها الأئمة، ليبقى حكمها متجدداً صالحاً لكل عصر، حتى مع تغير المواد والألبسة من خفاف جلدية إلى جوارب قطنية أو صناعية حديثة.
تعريف الخف والجورب في الفقه
- الخُفّ: ما يُلبس على القدمين من جلد أو ما يقوم مقامه، ويجمع على “خِفاف”.
- الجورب (الشراب): ما يُلبس على القدمين من صوف أو قطن أو قماش أو غيرها من المواد.
وقد اتفق الفقهاء على أن كليهما ساتر للقدمين، ومن ثمّ يجوز المسح عليهما في الوضوء، بشرط أن يكونا قد لُبسا على طهارة.
حكم المسح وأدلته الشرعية
أجمع أهل السنة والجماعة على جواز المسح على الخفين والجوارب، ورأوا فيه رخصة عظيمة من الله تعالى، قال عنها الإمام أحمد: “ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن النبي ﷺ تثبت مشروعيته.”
من السنة
ثبت عن النبي ﷺ في حديث جرير بن عبد الله البجلي:
“رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه.”
من الإجماع
نقل العلماء إجماع الأمة على مشروعيته في السفر والحضر، بل عدّه بعضهم من شعائر أهل السنة، حتى قال الحسن البصري: “حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يمسحون على الخفين.”
شروط صحة المسح
حتى يكون المسح صحيحاً لا بد من مراعاة الشروط التالية:
- أن يكون الخف أو الجورب ساتراً للقدمين كاملاً.
- أن يلبسهما بعد طهارة كاملة.
- أن يكون المسح في المدة المقررة: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.
- أن يكون الخف أو الجورب صالحاً للاستعمال الشرعي، فلا يكون رقيقاً يُظهر البشرة أو متهتكاً يفسد الطهارة.
المسح على العمامة والجبيرة
لم يقف التيسير عند الخفين والجوارب، بل شمل أيضاً:
- العمامة: يُمسح عليها إذا وجد عذر يمنع من غسل الرأس، كالمرض أو المشقة، شريطة النية.
- الجبيرة: إذا كانت هناك كسور أو جروح تستدعي وضع جبيرة أو لفافة، فيجوز المسح عليها بدل الغسل، رفعاً للحرج.
المسح على الجوارب الحديثة
مع تطور الألبسة، ظهرت الجوارب القطنية أو الصناعية التي لم تكن معروفة في زمن السلف، فأفتى العلماء بجواز المسح عليها إذا كانت تستر القدم وتحقق العلة الشرعية، قياساً على الخفين. وبذلك يبقى الحكم مرناً صالحاً لعصرنا، سواء في السفر أو الحضر، مع الالتزام بالشروط السابقة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الفقه الإسلامي, الفقه الميسر, المسح على الخفين والجوارب



