![]()
خواتيم سورة البقرة..
فضل عظيم وحصن للمؤمن قبل النوم
زياد الشرشابي
خواتيم سورة البقرة..
فضل عظيم وحصن للمؤمن قبل النوم
تعد خواتيم سورة البقرة من أعظم ما ورد في السنة النبوية من الأذكار التي يحرص المسلم على قراءتها في الليل، لما اشتملت عليه من معان عظيمة تتعلق بالإيمان بالله، والتسليم له، وطلب المغفرة والرحمة والنصر. وقد ورد في فضل آخر آيتين من سورة البقرة حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، يؤكد مكانتهما وفضلهما، ويبين أن من قرأهما في ليلة كفتاه.
وتبدأ الآيتان بقوله تعالى: “آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون…”، وتنتهيان بقوله سبحانه: “وانصرنا على القوم الكافرين”. وهما الآيتان رقم 285 و286 من سورة البقرة، وتحملان جملة من المعاني الإيمانية والدعوات الجامعة التي يحتاج إليها المسلم في حياته.
فضل آخر آيتين من سورة البقرة
ثبت في الصحيح عن أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه”. والحديث متفق عليه، وهو من الأحاديث التي تبين الفضل الخاص لهاتين الآيتين.
وقد اختلف العلماء في معنى “كفتاه”، فقيل: كفتاه من قيام الليل، وقيل: كفتاه من الشيطان، وقيل: كفتاه من الشرور والآفات، وقيل: يحتمل الحديث هذه المعاني وغيرها، من غير أن يقتصر على معنى واحد.
ولذلك فإن المسلم حين يقرأ آخر آيتين من سورة البقرة في الليل، يستحضر فضل هذه السنة النبوية، ويرجو من الله تعالى الحفظ والكفاية والخير، مع اليقين بأن النفع والضر بيد الله وحده.
هل تقرأ قبل النوم؟
تعد قراءة آخر آيتين من سورة البقرة قبل النوم من الأعمال الطيبة التي يحرص عليها المسلم، لأن الحديث علق الفضل بقراءتهما في الليل، ولم يشترط وقتا دقيقا من الليل.
ويمكن للمسلم أن يقرأهما عند الاستعداد للنوم، سواء نام في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، فالحديث جاء عاما في قوله صلى الله عليه وسلم: “في ليلة”.
ومن المهم هنا عدم اعتقاد أن قراءتهما لا تصح إلا في لحظة معينة قبل النوم، إذ لم يرد تحديد وقت ضيق لذلك. والمقصود اغتنام فضل السنة وقراءتهما خلال الليل.
هل تكفي قراءتهما بعد المغرب؟
ينبغي التفريق بين فضل قراءة الآيتين في الليل، وبين تخصيص وقت معين لهما باعتقاد أن السنة حددته. فإذا قرأ المسلم آخر آيتين من سورة البقرة بعد المغرب، فقد قرأ القرآن ونال أجر التلاوة، لكن لا يصح الجزم بأن السنة خصت القراءة بعد المغرب تحديدا بفضل “كفاية ثلاث ليال”، لأن هذا التحديد لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح من الأحاديث.
والأفضل أن يحرص المسلم على قراءة الآيتين في الليل، ويمكن أن يجعل قراءتهما ضمن أذكاره قبل النوم، من غير اعتقاد وجوب وقت معين لم يثبت به دليل.
هل تكفيان من شرور كل شيء؟
ينبغي أيضا التعامل مع العبارات المتداولة حول فضائل الأذكار بدقة، وعدم نسبة ما لم يثبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فالثابت في الحديث الصحيح أن من قرأ آخر آيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه، أما العبارة التي تقول إنهما “تكفيان من شرور كل شيء” على إطلاقها، أو أنهما “تطردان الشيطان لمدة ثلاث ليال”، فلا يصح نسبتها إلى الحديث الصحيح بهذا اللفظ.
وقد يكون المقصود عند بعض الناس التعبير عن عظيم فضل الآيتين وما يرجى من كفايتهما، لكن السنة تقتضي الالتزام بالألفاظ والمعاني التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة في أبواب الفضائل والأذكار.
معاني إيمانية عظيمة
تتضمن الآية الأولى من خاتمتي سورة البقرة إعلانا لإيمان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله، مع التأكيد على مبدأ التسليم والطاعة، كما تتضمن الدعاء بالمغفرة والرحمة.
أما الآية الثانية فتشتمل على دعوات جامعة، منها طلب عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ، وطلب عدم تحميل النفس ما لا تطيق، وسؤال العفو والمغفرة والرحمة، ثم طلب النصر.
وهذه المعاني تجعل قراءة الآيتين فرصة لمراجعة علاقة المسلم بربه، وتجديد الإيمان، واستحضار رحمة الله وقدرته، واللجوء إليه في مواجهة الضعف والهموم والمخاوف.
سنة سهلة وأجر عظيم
تمثل قراءة آخر آيتين من سورة البقرة سنة يسيرة لا تستغرق سوى وقت قصير، لكنها تحمل معاني إيمانية ودعوات عظيمة. ولذلك يمكن للمسلم أن يجعلها عادة ثابتة ضمن أذكار المساء أو أذكار النوم، مع الحرص على تدبر معانيها وعدم الاقتصار على ترديد ألفاظها دون استحضار دلالاتها.
كما ينبغي تعليم الأبناء هذه السنة وتعريفهم بفضلها، مع بيان أن العبادة تقوم على اتباع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والابتعاد عن التحديدات والفضائل التي لم يثبت بها دليل.
وفي النهاية، فإن آخر آيتين من سورة البقرة ليستا مجرد آيتين تقرآن طلبا للحفظ، بل هما خلاصة إيمانية ودعاء جامع يرسخ الثقة بالله، ويجدد التسليم له، ويعلم المسلم أن يلجأ إلى ربه طالبا العفو والمغفرة والرحمة والنصر. ومن واظب على قراءتهما في الليل رجاء فضل الله واتباعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد أحيا سنة عظيمة وجمع بين تلاوة القرآن والدعاء والتوكل على الله.
- كلمات مفتاحية | السنة النبوية, النبي صلى الله عليه وسلم, سورة البقرة



