![]()
سفراء 31 دولة
يزورون مسجد كروشينياني للتعرف على تراث المسلمين في بولندا
استقبلت قرية كروشينياني في إقليم بودلاسكي شمال شرقي بولندا سفراء معتمدين لدى البلاد من 31 دولة تمثل أربع قارات، ضمن برنامج دبلوماسي رسمي للتعريف بالتنوع العرقي والديني والثقافي، تضمن زيارة مسجدها الخشبي التاريخي ومقبرتها الإسلامية، اللذين يمثلان شاهدين بارزين على تاريخ التتار المسلمين في بولندا الممتد لأكثر من ستة قرون.
وتأتي الزيارة في إطار الاهتمام الرسمي بإبراز التراث التتري والحفاظ على معالمه التاريخية، وتعريف المجتمع الدولي بإسهامات المسلمين في تشكيل الهوية الثقافية للمنطقة، لا سيما أن كروشينياني تعد من أبرز المواقع التي حافظت على حضور هذا المجتمع وتقاليده الدينية والثقافية عبر الأجيال.
ورافق الوفد محافظ إقليم بودلاسكي ياتسيك بروزوفسكي، ونائبة رئيس بلدية بياويستوك إليزا أغنيشكا تسيبولكو، حيث تعرف السفراء على تاريخ التتار المسلمين وحياتهم المعاصرة، بمشاركة ممثلين عن المجتمع التتري والدكتور أرتور كونوباتسكي، مفوض المحافظ لشؤون التراث والتقاليد.
جولة للتعريف بتاريخ التتار المسلمين
وشملت الجولة المسجد الخشبي التاريخي والمقبرة الإسلامية المجاورة له، إذ استمع الوفد إلى شروحات تناولت جذور الوجود التتري في بولندا، ومراحل استقرارهم في إقليم بودلاسكي، وسبل الحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية في ظل التنوع الذي تتميز به البلاد.
ولم تقتصر الزيارة على المعالم التاريخية، بل تضمنت التعرف على المطبخ التتري وتذوق عدد من أطباقه التقليدية، إلى جانب مشاهدة عرض للرماية بالقوس من على ظهور الخيل، والاطلاع على منتجات محلية تعكس جوانب من تراث المنطقة وتقاليد سكانها.
وعكست هذه الأنشطة حرص القائمين على البرنامج على تقديم صورة متكاملة عن المجتمع التتري، تجمع بين التاريخ والموروث الديني والعادات الاجتماعية، وتتيح للضيوف التعرف على عناصر الهوية الثقافية التي حافظ عليها أبناء هذا المجتمع عبر قرون.
مسجد يعود إلى القرن الثامن عشر
ويرتبط استقرار التتار المسلمين في قرية كروشينياني بعام 1679، عندما منح الملك البولندي يان الثالث سوبيسكي أراضي للتتار في المنطقة، لتصبح القرية لاحقا إحدى أبرز محطات وجودهم التاريخي في شمال شرقي البلاد.
ويعود المسجد الخشبي القائم إلى القرن الثامن عشر، ويتميز بطابعه المعماري التقليدي ومقتنياته الدينية، ومنها المحراب والمنبر والمصاحف التاريخية، التي تمنحه قيمة دينية وثقافية تتجاوز كونه مكانا للعبادة، ليصبح سجلا حيا لتاريخ المجتمع المسلم في المنطقة.
وتجاور المسجد مقبرة إسلامية تاريخية تعرف باسم «المزار»، تضم شواهد قبور توثق تعاقب الأجيال التترية واستمرار تقاليد الدفن الإسلامية، بما يجعل الموقع شاهدا على امتداد الحياة الدينية والاجتماعية للمجتمع عبر الزمن.
وتعود جذور الوجود التتري في الأراضي البولندية إلى أواخر القرن الرابع عشر، حين استقرت جماعات تترية في أراضي الدولة البولندية الليتوانية التاريخية، وأسهمت بمرور الوقت في تشكيل مكون ثقافي وديني حافظ على خصوصيته وتقاليده.
مبادرات رسمية لحماية التراث وتوثيقه
وشهد المسجد مبادرات رسمية تستهدف توثيق قيمته التاريخية والتعريف بمقتنياته، من بينها تخصيص هيئة حماية الآثار في إقليم بودلاسكي حلقة من سلسلة «لنتحدث عن المعالم الأثرية» لتسليط الضوء على عمارته وتاريخه، والاستماع إلى روايات متوارثة عن المجتمع التتري، بمشاركة أحد أحفاد أسرة ألكسندر كرجيتشوفسكي.
وفي إطار تحسين الوصول إلى الموقع مع الحفاظ على طابعه التاريخي، تعاونت مقاطعة سوكولكا وبلدية كرينكي في مشروع لإعادة تأهيل أكثر من عشرة كيلومترات من الطريق المؤدي إلى كروشينياني، مع الإبقاء على الرصف الحجري في المنطقة التاريخية واستخدام الإسفلت في بقية المسار، وفقا لمتطلبات حماية الآثار.
كما رُشح المسجد للمنافسة في مسابقة «عجائب بولندا 2026» التي تنظمها ناشيونال جيوغرافيك، في خطوة تعزز فرص التعريف به بوصفه أحد المعالم التراثية المهمة في البلاد.
وتتواصل كذلك المساعي المتعلقة بإدراج المواقع التاريخية للتتار المسلمين في كروشينياني وبوهونيكي ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بما يدعم جهود صون هذه المعالم وحمايتها للأجيال المقبلة.
التراث المحلي في دائرة الاهتمام الدولي
وتكتسب زيارة السفراء أهمية خاصة من إدراج موقع إسلامي تاريخي ضمن برنامج دبلوماسي رسمي يهدف إلى التعريف بالتعدد الديني والثقافي في بولندا، وإتاحة الفرصة أمام ممثلي المجتمع التتري لعرض تاريخهم وتقاليدهم أمام وفود دولية واسعة.
كما تسلط الزيارة الضوء على أهمية حماية المعالم الدينية والتاريخية باعتبارها جزءا من الذاكرة الوطنية، ومصدرا لفهم تطور المجتمعات وتفاعل الثقافات المختلفة داخل المنطقة.
وبين المسجد الخشبي والمقبرة التاريخية والمبادرات الرامية إلى التوثيق والترميم، تبرز كروشينياني بوصفها نموذجا لحضور التتار المسلمين في بولندا، ودليلا على قدرة المجتمعات على الحفاظ على هويتها الدينية والثقافية، مع الانفتاح على التعريف بتراثها وتعزيز حضوره في المشهد الدولي.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | بولندا



