![]()
ليست فضفضة بل فضح للستر
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
محمد الشرشابي
ليست فضفضة بل فضح للستر
- استشارات عائلية
ما تشعرين به بعد الفضفضة ليس مجرد انفعال عابر، بل هو صوت الفطرة السليمة حين تستشعر أنها لامست حدًّا من حدود الأمانة، فالبيوت في ميزان الشرع والعقل ليست مجرد جدران، بل هي أسرار مصونة، وعهود موثقة، ومواضع ثقة لا يُستهان بها.
والأصل في الحياة الزوجية أنها قائمة على الستر، وقد جعل الإسلام لهذه العلاقة خصوصية عظيمة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرها”، وهو تحذير بالغ الدلالة على خطورة إفشاء ما ينبغي كتمانه، لا سيما ما يتعلق بأدق تفاصيل الحياة الخاصة.
غير أن النفس البشرية ليست حجرًا صلدًا، بل هي بحاجة إلى من يسمعها ويخفف عنها، ومن هنا فليس كل حديثٍ عن مشكلات البيت مذمومًا، بل يُنظر فيه إلى القصد والوسيلة والحدود. فإن كان الحديث لغرض الإصلاح، وبقدر الحاجة، ومع شخص موثوق حكيم، لا يُتخذ الأمر عادة ولا يُبسط فيه القول، فهذا من باب التداوي لا من باب التفريط.
أما أن تتحول الفضفضة إلى عادة مستمرة، تُنقل فيها أدق التفاصيل، ويُكشف فيها ما ينبغي ستره، فإن ذلك يفتح أبوابًا من الضرر لا تُحمد عقباها؛ إذ قد تتبدل نظرة الصديقات إلى الزوج، أو تُحفظ تلك الأسرار لتُستخدم يومًا ما في غير موضعها، فضلًا عن أن كثرة الشكوى تُرسّخ في النفس الشعور بالسخط، وتُضعف من قدرة الإنسان على التحمّل والإصلاح.
ومن الناحية النفسية، فإن الاعتياد على التفريغ الخارجي دون محاولة معالجة داخلية يجعل الإنسان أسيرًا لحاجته إلى الآخرين، بدل أن ينمّي مهاراته في الصبر، والحوار، وإدارة الخلاف. كما أن بعض الفضفضة لا تكون طلبًا للحل، بل مجرد استدعاء للمواساة، وهو ما قد يُريح لحظيًا لكنه لا يُصلح واقعًا.
وأما من الجانب الاجتماعي، فإن البيوت التي تُكشف أسرارها تضعف هيبتها، وتفقد شيئًا من استقرارها، لأن العلاقة الزوجية تقوم على الثقة، فإذا علم أحد الطرفين أن أسراره تُنقل، تزعزعت هذه الثقة، وبدأت المسافات تتسع.
لذلك، فالموازنة الرشيدة تقوم على أمور: أولها أن تُدركي أن كل ما يُقال ليس سواء، فهناك ما يجوز ذكره إجمالًا دون تفاصيل، وهناك ما لا يجوز كشفه أصلًا. وثانيها أن تختاري إن احتجتِ للمشورة شخصًا واحدًا، حكيمًا أمينًا، لا يُهوّل ولا يُفسد، ويفضّل أن يكون ذا خبرة أو علم. وثالثها أن يكون قصدك الإصلاح لا مجرد الفضفضة، وأن تقفي عند قدر الحاجة دون استرسال.
ومن الحكمة كذلك أن تُعطي مساحة للحوار داخل البيت، فكثير من المشكلات لو عولجت بهدوء بين الزوجين لما احتاجت إلى أن تخرج خارجهما. وإن ضاق صدرك، فاجعلي لك متنفسًا آخر كالدعاء، أو الكتابة، أو الاستشارة المتخصصة التي تحفظ الخصوصية.
إن شعورك بالندم بعد الحديث نعمة، لأنه دليل حياة قلبك، فاستثمريه في تهذيب سلوكك، لا في جلد ذاتك، واجعليه بوابة لوعي أعمق بحدود ما يُقال وما يُصان.
- كلمات مفتاحية | أسرار البيت, التوازن النفسي, حدود الخصوصية



