حين تُختبر الصداقة على حافة الحرج

Picture of إبراهيم شعبان

إبراهيم شعبان

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
ما تمر به ليس أمرًا هيّنًا ولا عابرًا، بل هو من المواطن الدقيقة التي يختبر الله فيها صدق الإنسان مع نفسه قبل غيره. وأول ما يُحمد لك في هذه الاستشارة...
حين تُختبر الصداقة على حافة الحرج

حين تُختبر الصداقة على حافة الحرج

س
أنا رجل متزوج، محافظ في ديني وسلوكي، تربطني صداقة قديمة وقوية برجل أعتز به وأرتاح لمجالسته، وقد تطورت العلاقة بحكم القرابة بين زوجتينا إلى علاقة عائلية متكررة اللقاء. في الآونة الأخيرة بدأت ألاحظ من زوجة صديقي تصرفات تُشعرني بقلق بالغ؛ اهتمام زائد، ودلال في الحديث، ومحاولات زائدة للفت الانتباه، بل وتعمّد إظهار الزينة في غياب زوجتي أو انشغال زوجها. الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تطور إلى الحصول على رقم هاتفي والاتصال بي بحجج واهية، لا تخلو المكالمات فيها من ميوعة في الكلام. أنا لا أرتاح لهذا الوضع، وأخشى على ديني ونفسي، ولا أريد أن أفتح بابًا للفتنة أو أن أكون سببًا في خراب بيتي أو بيت غيري، وفي الوقت نفسه أحرص على ألا أخسر صديقي أو أُحدث قطيعة أو سوء ظن. حاولت تقليل الاحتكاك واقترحت أن تكون اللقاءات بيني وبين صديقي خارج الإطار العائلي، لكنه يرفض ويعدّ ذلك فرصة لتقارب الأسرتين، كما أتردد في مصارحة زوجتي خشية أن تُفسَّر غيرتي على أنها تشدد أو مبالغة.. كيف أتصرف بحكمة؟ وأين أقف بين حفظ الدين، وصيانة الصداقة، واستقرار الأسرة؟
جــــ

ما تمر به ليس أمرًا هيّنًا ولا عابرًا، بل هو من المواطن الدقيقة التي يختبر الله فيها صدق الإنسان مع نفسه قبل غيره. وأول ما يُحمد لك في هذه الاستشارة أنك لم تُخدَّر تحت مسمى “النية الطيبة”، ولم تُلبس الفتنة ثوب البراءة، بل استشعرت الخطر في بدايته، ومن استبان له الطريق في أوله سَلِم في آخره.

من الناحية الدينية، ما تصفه يدخل في باب الفتنة الصريحة، حتى وإن لم يقع حرامٌ ظاهر بعد. فالشريعة لا تحرّم الأفعال فقط، بل تسدّ الذرائع المفضية إليها. والمحادثات الخاصة، والميوعة في الكلام، والتكلف في إظهار الزينة أمام رجل أجنبي، كلها أمور منهيٌّ عنها شرعًا، لا يغيّر من حكمها وجود صداقة أو قرابة عائلية.

ومن الفقه العميق أن تعلم أن الشيطان لا يأتي غالبًا في صورة الفاحشة الكاملة، بل يبدأ بخطوات صغيرة ملبسة، عنوانها المجاملة، وباطنها الانزلاق.

أما نفسيًا، فإن استمرار هذا الوضع سيضعك تحت ضغط داخلي متزايد، بين خوفك من الله، وحرصك على الصداقة، وقلقك من تفاقم الأمور، هذا الصراع إن طال، أنهك النفس وأضعف القدرة على اتخاذ القرار السليم، وقد يفتح باب وساوس أو توترات لا تُحمد عواقبها. السلام النفسي هنا ليس ترفًا، بل ضرورة، ولا يتحقق إلا بوضع حدود واضحة لا تقبل التأويل.

الحكمة العملية تقتضي منك خطوات هادئة لكنها حاسمة، أولها قطع باب التواصل الخاص تمامًا، دون نقاش أو تبرير، كما أن  الهاتف ليس وسيلة تواصل بريئة في مثل هذا السياق، وأي تساهل فيه يُفهم – ولو خطأ – على أنه قبول ضمني، يمكن فعل ذلك بأسلوب مهذب وجاف في آن واحد، كعدم الرد، أو الرد المختصر الرسمي عند الاضطرار، ثم الإغلاق التدريجي لهذا الباب حتى يُفهم المقصود دون صدام.

ثانيها إعادة ضبط العلاقة العائلية لا قطعها. ليس مطلوبًا منك فضح أو اتهام، لكن من حقك الشرعي والعقلي أن تقلل الحضور في الأجواء التي تُستثار فيها الفتنة، أو أن تحرص على وجود زوجتك دائمًا، أو أن تجعل اللقاءات عامة قدر الإمكان. وإذا تعذر ذلك، فالتخفف من هذه اللقاءات أولى من الإصرار عليها باسم المجاملة.

أما صديقك، فالصداقة الحقيقية لا تُبنى على إحراج الدين ولا على تعريض البيوت للريبة.

لست مطالبًا بسرد التفاصيل، لكن يمكنك أن تكون صريحًا بحدود، فتؤكد له أنك تحب صداقته، لكنك لا ترتاح للاختلاط العائلي المكثف، وأن هذا خيار شخصي مرتبط بطبيعتك والتزامك، لا انتقاصًا من أحد، من يفهمك في هذا، هو صديق يستحق البقاء، ومن يضغط عليك لتجاوز قناعاتك، فمراجعته واجبة.

وأما زوجتك، فإبقاؤها في الظلام ليس حلًا، لكن المصارحة لا تعني الصدمة. يمكنك أن تُمهّد للحديث من باب عام، عن أهمية الحدود في العلاقات العائلية، وعن غيرتك الطبيعية، وعن حرصك على بيتك ودينك، دون اتهام مباشر أو تفاصيل قد تثير حساسية. المرأة بطبعها، حين تُشرك في الهمّ لا تُفاجأ به، تكون أقدر على التفهم والدعم.

وتذكر أخيرًا أن حفظ الدين مقدّم على حفظ العلاقات، وأن الله لا يضيّع من ترك شيئًا له. ما تراه اليوم حرجًا، قد يكون غدًا نعمة نجاة، وما تُغلقه من باب فتنة بحكمة، يفتح الله لك به أبواب سكينة وثقة وطمأنينة لا تُقدّر بثمن.

ذات صلة
الأغذية المليئة بالدهون تهيئ الكبد لخطر السرطان
أظهرت دراسة حديثة، أن الإفراط في تناول الدهون غير الصحية، خصوصًا الموجودة في الأطعمة المصنعة، يمكن أن...
المزيد »
بين عتبة العبور ومعنى الاكتمال
رأيت في المنام أنني أحاول مع أبنائي العبور إلى بيت جديد، وكأننا نقف على عتبة انتقال مصيري في حياتنا....
المزيد »
الرجل السلبي.. ممول بلا روح
في كثير من البيوت العربية، يطلّ الرجل بصورة الأب الذي يكتفي بدور الممول، يضع المال على الطاولة ثم ينسحب...
المزيد »
سقوط الأسنان الأمامية.. رسالة بين البشارة والتحذير
سقوط الأسنان من الرؤى التي تحمل معاني مختلفة، منها ما هو تحذير ومنها ما هو بشارة. فقد فسّر العلماء سقوط...
المزيد »
الهجر الروحي.. أجساد حاضرة ومشاعر غائبة
الهجر الروحي بين الزوجين هو ذلك الفراغ الصامت الذي يتسلل إلى البيوت، حيث يظل الزوجان حاضرين بأجسادهما،...
المزيد »
الحفيد..  جسر الحنان بين الأجيال
في لحظات العمر المتأخرة، حين يشتد الإحساس بالوحدة ويغيب كثير من الأصدقاء والرفاق، يطل الحفيد كنسمة رقيقة...
المزيد »
بين التدين والابتلاء الخفي.. كيف أقاوم شهوة النظر ومتابعة المحرمات؟
إن ما تشعر به من تأنيب وضيق هو في حد ذاته علامة حياة قلبك، فالقلب إذا مات لم يعد يميز بين الطاعة والمعصية....
المزيد »
علاج الأرق
الأرق هو اضطراب في النوم، والذي يتسبب في صعوبة النوم أو الاستمرار فيه، مما يؤثر على صحة الجسم والعقل...
المزيد »
المنانة.. زوجة حولت العطاء إلى سلاح نفسي
المنّ في جوهره هو إفساد للعطاء، إذ يُحوّل الكرم إلى عبء ويجعل المعروف ثقلاً على من تلقّاه. الزوجة المنانة...
المزيد »
الوجهان المتناقضان..
في المجالس العامة وبين الأصحاب، يظهر بعض الرجال في أبهى صورة: ضحكات تتعالى، كلمات رقيقة، ووجه بشوش يفيض...
المزيد »
حين يبتسم الخارج وتبكي البيوت: استشارة في خيانة متكررة
أيتها السائلة الكريمة، إن ما ذكرتِه يعكس صورة من صور الابتلاء التي تحتاج إلى حكمة وصبر، وإلى وعي ديني...
المزيد »
حين تُختبر الصداقة على حافة الحرج
ما تمر به ليس أمرًا هيّنًا ولا عابرًا، بل هو من المواطن الدقيقة التي يختبر الله فيها صدق الإنسان مع نفسه...
المزيد »
الصداع بين معرفة لغة الجسد وسرعة استشارة طبيب
الصداع ليس مرضاﹰ واحداً، بل هو عائلة كبيرة من الأحاسيس المزعجة التي تسكن الرأس. فهناك الصداع التوتري،...
المزيد »
بين الصفوف الأولى ونزول البَرَد: ماذا تقول الرؤيا؟
هذه الرؤيا من الأحلام المركّبة التي تتداخل فيها الرموز الدينية بالأبعاد النفسية والاجتماعية، وهي في مجملها...
المزيد »
اختبار بطول الطريق لا بحرمان الثمرة
هذا الحلم من الرؤى العميقة التي تتداخل فيها الرموز النفسية بالمعاني الإيمانية. فالشجرة في المنام كثيرًا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك