![]()
حين تُختبر الصداقة على حافة الحرج
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
إبراهيم شعبان
حين تُختبر الصداقة على حافة الحرج
- استشارات عائلية
ما تمر به ليس أمرًا هيّنًا ولا عابرًا، بل هو من المواطن الدقيقة التي يختبر الله فيها صدق الإنسان مع نفسه قبل غيره. وأول ما يُحمد لك في هذه الاستشارة أنك لم تُخدَّر تحت مسمى “النية الطيبة”، ولم تُلبس الفتنة ثوب البراءة، بل استشعرت الخطر في بدايته، ومن استبان له الطريق في أوله سَلِم في آخره.
من الناحية الدينية، ما تصفه يدخل في باب الفتنة الصريحة، حتى وإن لم يقع حرامٌ ظاهر بعد. فالشريعة لا تحرّم الأفعال فقط، بل تسدّ الذرائع المفضية إليها. والمحادثات الخاصة، والميوعة في الكلام، والتكلف في إظهار الزينة أمام رجل أجنبي، كلها أمور منهيٌّ عنها شرعًا، لا يغيّر من حكمها وجود صداقة أو قرابة عائلية.
ومن الفقه العميق أن تعلم أن الشيطان لا يأتي غالبًا في صورة الفاحشة الكاملة، بل يبدأ بخطوات صغيرة ملبسة، عنوانها المجاملة، وباطنها الانزلاق.
أما نفسيًا، فإن استمرار هذا الوضع سيضعك تحت ضغط داخلي متزايد، بين خوفك من الله، وحرصك على الصداقة، وقلقك من تفاقم الأمور، هذا الصراع إن طال، أنهك النفس وأضعف القدرة على اتخاذ القرار السليم، وقد يفتح باب وساوس أو توترات لا تُحمد عواقبها. السلام النفسي هنا ليس ترفًا، بل ضرورة، ولا يتحقق إلا بوضع حدود واضحة لا تقبل التأويل.
الحكمة العملية تقتضي منك خطوات هادئة لكنها حاسمة، أولها قطع باب التواصل الخاص تمامًا، دون نقاش أو تبرير، كما أن الهاتف ليس وسيلة تواصل بريئة في مثل هذا السياق، وأي تساهل فيه يُفهم – ولو خطأ – على أنه قبول ضمني، يمكن فعل ذلك بأسلوب مهذب وجاف في آن واحد، كعدم الرد، أو الرد المختصر الرسمي عند الاضطرار، ثم الإغلاق التدريجي لهذا الباب حتى يُفهم المقصود دون صدام.
ثانيها إعادة ضبط العلاقة العائلية لا قطعها. ليس مطلوبًا منك فضح أو اتهام، لكن من حقك الشرعي والعقلي أن تقلل الحضور في الأجواء التي تُستثار فيها الفتنة، أو أن تحرص على وجود زوجتك دائمًا، أو أن تجعل اللقاءات عامة قدر الإمكان. وإذا تعذر ذلك، فالتخفف من هذه اللقاءات أولى من الإصرار عليها باسم المجاملة.
أما صديقك، فالصداقة الحقيقية لا تُبنى على إحراج الدين ولا على تعريض البيوت للريبة.
لست مطالبًا بسرد التفاصيل، لكن يمكنك أن تكون صريحًا بحدود، فتؤكد له أنك تحب صداقته، لكنك لا ترتاح للاختلاط العائلي المكثف، وأن هذا خيار شخصي مرتبط بطبيعتك والتزامك، لا انتقاصًا من أحد، من يفهمك في هذا، هو صديق يستحق البقاء، ومن يضغط عليك لتجاوز قناعاتك، فمراجعته واجبة.
وأما زوجتك، فإبقاؤها في الظلام ليس حلًا، لكن المصارحة لا تعني الصدمة. يمكنك أن تُمهّد للحديث من باب عام، عن أهمية الحدود في العلاقات العائلية، وعن غيرتك الطبيعية، وعن حرصك على بيتك ودينك، دون اتهام مباشر أو تفاصيل قد تثير حساسية. المرأة بطبعها، حين تُشرك في الهمّ لا تُفاجأ به، تكون أقدر على التفهم والدعم.
وتذكر أخيرًا أن حفظ الدين مقدّم على حفظ العلاقات، وأن الله لا يضيّع من ترك شيئًا له. ما تراه اليوم حرجًا، قد يكون غدًا نعمة نجاة، وما تُغلقه من باب فتنة بحكمة، يفتح الله لك به أبواب سكينة وثقة وطمأنينة لا تُقدّر بثمن.



