![]()
بين عتبة العبور ومعنى الاكتمال
- الأسرة المسلمة
- تفسير الأحلام
محمد الشرشابي
بين عتبة العبور ومعنى الاكتمال
- تفسير الأحلام
هذه الرؤيا — في مجملها — من الرؤى الغنية بالمعاني، تتشابك فيها الرموز التربوية والدلالات الإيمانية مع الإشارات النفسية الدقيقة، حتى تبدو كأنها خطاب موجّه إلى القلب والعقل معًا.
أما البيت الجديد في الرؤى، فغالبًا ما يرمز إلى مرحلة جديدة من الحياة: انتقال في المسؤوليات، أو تحوّل في الحال، أو أفق مختلف يتشكل للأسرة أو للذات. وكون هذا البيت غير مكتمل البناء يدل على أن هذه المرحلة لم تنضج بعد، وأنها ما تزال في طور التشكّل، تحتاج إلى صبر وتدرّج وحسن تدبير، لا إلى استعجال ولا إلى قلق مفرط.
وأما محاولة العبور مع الأبناء، فهي صورة صادقة لما يعيشه الآباء في يقظتهم: هاجس العبور بالأبناء من الطفولة إلى الرشد، ومن الهشاشة إلى الاستقلال، ومن الاعتماد إلى القدرة. إلقاؤك بابنك الأصغر ليعبر أولًا — مع ظهوره في الحلم طفلًا — يعبّر عن إدراك داخلي بأن هذا الابن، رغم بلوغه سن الشباب، ما يزال في نظرك محتاجًا إلى رعاية مضاعفة، وأنك تخشى عليه من الانزلاق أو السقوط في مرحلة دقيقة من عمره.
الموضع الضيق المرتفع الذي كاد يقع منه الابن، يرمز إلى ضغوط الواقع وتحديات المرحلة: اختيارات صعبة، مخاطر فكرية أو سلوكية، أو شعور الأب بأن ابنه يقف على حافة تجربة لا تحتمل الخطأ. وهنا يتجلّى أعمق معاني الرؤيا: الدعاء. فالدعاء في المنام ليس مجرد تفصيل، بل هو قلب الرسالة؛ إذ يشير إلى أن الحماية الحقيقية للأبناء لا تكون بالسيطرة ولا بالخوف، بل باللجوء الصادق إلى الله، وتسليم الأمر له مع الأخذ بالأسباب.
دوران الموضع حتى إدخال الابن، ثم بقاء فتحة ضيقة لا تكفيك، يعبّر عن حقيقة تربوية مؤلمة أحيانًا: قد يفتح الله للأبناء أبوابًا قبل أن تتضح للآباء، وقد ينجو الابن بدعاء والده، بينما يظل الأب نفسه محتاجًا إلى مزيد من السعة والطمأنينة. واتساع الفتحة لك بعد الدعاء مرة أخرى يرمز إلى أن الطمأنينة تُمنح لمن يُلحّ على الله، وأن الضيق النفسي الذي يصيب الوالدين في مراحل التربية لا يزول إلا بالثقة بالله وحسن الظن بتدبيره.
أما البيت الذي لم يكتمل، فهو انعكاس لحياتك الداخلية: مسؤوليات كثيرة، تصورات لم تكتمل، وأدوار تؤدى مع شعور دائم بأن هناك ما ينبغي إصلاحه أو إتمامه. تجوالك فيه يدل على مراجعة الذات، وإعادة تقييم الدور الأبوي، والسؤال الصامت: هل فعلت ما يجب؟ وهل بقي ما ينبغي عليّ فعله؟
وتبلغ الرؤيا ذروتها عند مشهد الابن الأكبر في موضع يشبه المسجد، يصلي مع جماعة. فهذا رمز مطمئن بامتياز؛ إذ يدل على صلاح المسار، واستقامة الاتجاه، ووجود بذرة إيمان راسخة في هذا الابن، وربما في ذريتك عمومًا. السجاد الفخم هنا لا يدل على ترف، بل على قيمة: قيمة العبادة، وعلو شأنها في ميزان الله، وعلى أن ما يُبنى في القلوب من صلاة وخشوع هو أمتن من كل بناء مادي لم يكتمل بعد.
من الناحية النفسية، تكشف الرؤيا عن أب يحمل همّ أبنائه بصدق، ويخشى عليهم أكثر مما يخشى على نفسه، ويعيش صراعًا داخليًا بين الرغبة في الحماية والخوف من التقصير. وهي دعوة لك — ولكل من يرى رؤيا مشابهة — إلى ألا يتحول الحرص إلى قلق، ولا الخوف إلى عبء، بل إلى ثقة واعية بأن الأبناء أمانة، وأن الهداية بيد الله، وأن أفضل ما يُهدى لهم بعد التربية هو الدعاء الصادق والقدوة الصامتة.



