![]()
العفة.. درع يحمي قدسية كيان المرأة المسلمة
إبراهيم شعبان
العفة.. درع يحمي قدسية كيان المرأة المسلمة
العفة عند المرأة المسلمة أكبر بكثير من كونها رداءً يُلقى على الجسد فحسب، بل هي فضاءٌ روحيّ رحيب، ومشروعٌ إنسانيّ متكامل يُؤسس لكرامة الفرد والمجتمع، فهي ليست كما يرها خصوم الإسلام قيداً يُكبل الأنثى، بل هي تشريفٌ يُطلق طاقاتها نحو المعالي، ويصون شرفها ليكون لغةً أخلاقيةً جامعة. في هذا السياق، لا تُقدم العفة بوصفها مفهوماً سلبياً ينبني على المنع والتحريم فقط، بل تُعرض كقيمة وجودية إيجابية، هي فنُ صون الكينونة، وبناء الهوية، والارتقاء بالعلاقات إلى مستوى التكامل لا التمثُّل. إنها الجدار الذي يُحمى به بستانُ الحياة، ليظل نضراً، مُثمراً، آمناً.
العفة: رؤية فلسفية تتجاوز المظهر
ينظر الإسلام إلى المرأة باعتبارها “نفساً” كريمة قبل أي شيء، والعفة حارسٌ لهذه الكرامة المتأصلة، فهي الدرع الواقي الذي يحمي قدسية كيانها من أن يُختزل إلى مجرد “جسد” أو “سلعة”، ويصون لها حقها في أن تُقَدَّر لعقلها وروحها وقيمها. إنها فلسفةٌ تُعيد صياغة مفهوم الجمال ذاته، فتحوله من جمالٍ سطحيٍ عابر إلى جمالٍ متأصّلٍ مستدام، قائم على الوقار والهيبة واحترام الذات. العفة هنا اختيارٌ وجوديٌ حر، وليست فرضاً اجتماعياً قسرياً، وهي ما يمنح المرأة سلطتها الأخلاقية وقوتها الداخلية في المجالين الخاص والعام.
اللباس: تجلّيات بصرية لوعي داخلي
لا يُنظر إلى الحجاب واللباس الشرعي في هذا الإطار على أنه مجرد “غطاء”، بل هو تجلٍّ مادي لحقيقة معنوية، وخطابٌ صامتٌ يُعلن عن هوية حاملة وقناعاتها. إنه الإطار الذي يضبط طبيعة التفاعل الاجتماعي، فيحوّله من حوارٍ محتمل بين الأجساد إلى حوارٍ مُنتج بين العقول والقلوب. وهو بذلك يحمي الفضاء الشخصي للمرأة، ويصون حقها في الخصوصية والاحترام، ويُحررها من قيود المواصفات الجسدية المُعلبة وأحكام القيمة السطحية. إنه، في جوهره، دعوة للمجتمع ككل لتربية البصر وضبط النفس، وترقية لغة الحوار.
العفة سلوكاً: بناء مجتمع الودّ والطمأنينة
تمتدّ فلسفة العفة في الإسلام لتشكل نسيج العلاقات الاجتماعية كلها، حيث لا تقتصر على النساء وحدهن، ولكنها تُؤسس لمجتمع “الغضّ من البصر” للرجال والنساء، مجتمع التعفف في القول والفعل، حيث تُصان الحرمات، وتُحترم الحدود، وتُبنى الثقة. هذا المناخ الأخلاقي الآمن هو البيئة المثلى لازدهار الأسرة، تلك المؤسسة التي هي لبنة المجتمع. فالعلاقة الزوجية في ظل هذه القيم تُبنى على المودة والرحمة والوفاء، لا على الشهوة العابرة، مما يُعطيها العمق والاستمرارية، ويجعل من البيت قلعةَ أمان وسكناً حقيقياً.
تحرير أم تقييد؟ إعادة تعريف الحرية
يقدم الإسلام رؤيةً مغايرة للحرية السائدة، فقد جعل العفة أعلى درجات الحرية، فهي تحريرٌ للإنسان من عبودية الشهوة والرغبات العابرة، ومن سطوة ردود الفعل الغريزية. إنها حرية اختيار أن تكون ذاتك لا أن تكوني صورةً يُملِيها السوق أو الموضة. وهي تحريرٌ للطاقة البشرية -ذكراً كان أو أنثى- لتوجيهها نحو الإبداع والعطاء والبناء الحضاري. عندما تُصان الفطرة وتُحفظ الكرامة، يُنتج المجتمع أفراداً أسوياء، قادرين على الإسهام في رقيه المعنوي والمادي.



