![]()
الخلافات الزوجية الصغيرة… كيف نمنعها من التحول إلى كبرى؟
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
إبراهيم شعبان
الخلافات الزوجية الصغيرة… كيف نمنعها من التحول إلى كبرى؟
- استشارات عائلية
ما تذكره، أيها المستشير الكريم، هو من أكثر ما يمرّ به الأزواج في مسيرتهم، وهو في ذاته لا يدل على خلل جوهري بقدر ما يكشف عن طبيعة البشر واختلاف طبائعهم. فالخلاف سنة من سنن الحياة، لا يكاد يخلو منه بيت، لكن الفارق الجوهري بين بيتٍ يستقر وآخر يتصدّع، هو كيفية إدارة الخلاف لا وجوده.
لقد أرشد الإسلام إلى منهج بالغ الحكمة في التعامل مع التوترات الإنسانية، فجعل الرفق أساسًا، والحلم ميزانًا، فقال النبي ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه». فالخلاف حين يُدار بروح الرفق يبقى في حجمه الطبيعي، أما إذا قوبل بالاندفاع والتحدي، فإنه يتحول من مسألة عابرة إلى جرحٍ مفتوح.
أولى خطوات الوقاية أن يُدرك الزوجان أن الغضب لحظة غير صالحة للحوار. فالكلمة في حال الانفعال لا تخرج موزونة، وغالبًا ما تعبّر عن غضب أكثر مما تعبّر عن قصد. من الحكمة تأجيل النقاش، لا هروبًا من المشكلة، بل حفاظًا على العلاقة. فالصمت المؤقت هنا ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن تهدئة النفوس مقدّمة على حسم القضايا.
ومن أسباب تضخم الخلافات أيضًا نسيان الفضل السابق، حين يُختزل تاريخ طويل من العشرة في موقف واحد. هنا تتحول المشكلة من فعلٍ محدد إلى محاكمة شاملة للعلاقة، ويُستحضر الماضي لا للعظة، بل للاتهام. والواعي من يذكّر نفسه، في لحظة التوتر، بأن هذا الذي أمامه هو شريك عمر، لا خصم معركة، وأن ما يجمعهما أوسع بكثير مما فرّق بينهما.
كما أن استحضار نية الإصلاح يغيّر مسار الحوار جذريًا. فحين يدخل أحد الطرفين النقاش وهو يريد الانتصار، لا الحل، فإن كل كلمة تصبح سلاحًا، وكل اعتذار يُعدّ هزيمة. أما إذا دخل بنية الإصلاح، فإنه يبحث عن مخارج تحفظ الكرامة وتعيد الطمأنينة. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله: «إن يريدا إصلاحًا يوفّق الله بينهما»، فجعل النية الصادقة سببًا للتوفيق.
ومن الأخطاء الشائعة التي تُضخّم الخلافات الصغيرة إشراك الآخرين في كل مشكلة. فليس كل ما يقع بين الزوجين صالحًا لأن يُروى، ولا كل مستمع مؤهلًا للنصح. تدخل الأطراف الخارجية قد يضيف زوايا نظر جديدة، لكنه غالبًا يزيد التعقيد، ويُدخل الاعتبارات الشخصية والانحيازات. ولا يُلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة، ومع أهل الحكمة والستر.
ويبقى من أعظم ما يلين القلوب ويطفئ جذوة الخصام الدعاء المشترك، ولو في خلوة قصيرة، يرفع فيها الزوجان أيديهما إلى الله، لا لاتهام أحدهما الآخر، بل لطلب السكينة والهداية. فالدعاء لا يغيّر الظروف فقط، بل يغيّر النفوس، ويعيد ترتيب المشاعر، ويذكّر الطرفين بأن الرابط بينهما أعمق من خلاف عابر.
إن الخلافات الصغيرة لا تصبح كبيرة إلا حين تُترك بلا وعي، أو تُدار بعناد. أما حين تُقابل بالحلم، وتُحاصر بالرفق، وتُعالج بنية الإصلاح، فإنها تتحول من مصدر توتر إلى درس يقوّي العلاقة بدل أن يهدمها.



