المرأة الشاكية..

عدل السماء وإنصاف الضعفاء

من أعجب القصص القرآنية التي تمسّ القلب وتظهر عدل الله ورحمته، قصة المرأة التي جاءت تشتكي إلى النبي محمد ﷺ ظلم زوجها، فجاء الرد من السماء بآياتٍ خالدة في سورة المجادلة....
المرأة الشاكية ..عدل السماء وإنصاف الضعفاء

المرأة الشاكية..

عدل السماء وإنصاف الضعفاء

من أعجب القصص القرآنية التي تمسّ القلب وتظهر عدل الله ورحمته، قصة المرأة التي جاءت تشتكي إلى النبي محمد ﷺ ظلم زوجها، فجاء الرد من السماء بآياتٍ خالدة في سورة المجادلة.
وهذه القصة ليست مجرد موقف اجتماعي، بل نموذج قرآني للإنصاف الإلهي وإظهار مكانة المرأة وحقها في العدالة والكرامة.

قال تعالى في مطلع السورة:” قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) المجادلة.

اللطيفة الأولى: سمع الله لا يغيب عن همس المظلوم

تبدأ السورة ببيانٍ معجز:  “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك”.
لم يقل سبحانه  “سمع الله دعاءها” بل قولها، ليُظهر أن كل همسةٍ يسمعها الله، وأن المظلوم لا يحتاج إلى وساطةٍ ليصل صوته إلى السماء. وروى المفسرون أن السيدة خولة بنت ثعلبة كانت تشتكي زوجها أوس بن الصامت، الذي قال لها كلمة “الظهار” الظالمة، فبكت وتضرعت حتى نزل الوحي.
وهنا لطيفة ربانية عظيمة: أن الله يسمع المكلومين حين لا يسمعهم أحد، وأن رحمة الله تسبق الحكم والقانون.

اللطيفة الثانية: إلغاء عادة جائرة بتشريع رحيم

كان “الظهار” في الجاهلية طلاقًا قاسيًا، يقول فيه الرجل لزوجته: «أنتِ عليَّ كظهر أمي، فيحرمها دون طلاقٍ صريح ولا رجعةٍ ممكنة. فنزل القرآن ليبطل هذا الظلم ويضع تشريعًا رحيمًا يحفظ للمرأة كرامتها ويمنع العبث بالحقوق الأسرية.

قال تعالى:”الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)  المجادلة”. ثم بيّن الله الكفارة لمن أراد العودة بقوله:” وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3). فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ”. الاية 4 المجادلة.

واللطف الإلهي هنا واضح؛ فالله لم يُسقط الرجل نهائيًا، بل فتح له باب التوبة والكفارة، وفي ذلك عدالة بين الطرفين تحفظ الأسرة وتردع الظلم.

اللطيفة الثالثة: التشريع بالرحمة لا بالانتقام

ومن أرقّ اللطائف في هذه السورة أن الله لم ينتصر للمظلومة فقط، بل أصلح الظالم أيضًا. فالقرآن لم يعلن العقوبة غضبًا، بل نظم الكفارة ليعيد التوازن في المجتمع. وهذا درس بليغ في أن التشريع القرآني يقوم على الإصلاح لا الانتقام، وعلى تهذيب النفوس لا إلغائها.

اللطيفة الرابعة: مكانة المرأة في الخطاب القرآني

و قصة خولة بنت ثعلبة تحمل تكريمًا عظيمًا للمرأة في الإسلام. فالقرآن سجل حوارها، وسمّى السورة باسم المجادلة، تخليدًا لموقفها وصبرها وثقتها بعدل الله.
إنها لطيفة رمزية تُبرز أن صوت المرأة مسموع عند الله، وأن الإسلام أعطاها حقها في الشكوى والمطالبة بالإنصاف.
وفي هذا ردٌّ على كل من يظن أن المرأة في الإسلام مهمّشة.

اللطيفة الخامسة: الحوار أسلوب قرآني في حل النزاعات

قال تعالى “: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا”، أي يسمع حوارها مع النبي ﷺ. الآية تؤكد أن الحوار طريق الحل في الإسلام، لا الصراخ ولا العنف. وحتى بين النبي والمرأة، كان النقاش راقيًا، صادقًا، صبورًا، فاستحق أن يُخلّد في الوحي. إنها دعوةٌ للمجتمعات المسلمة إلى اعتماد التحاور والتفاهم أساسًا للأسرة والعلاقات الإنسانية.

قصة المرأة المجادلة، في سورة المجادلة درس خالد في أن الله قريب من عباده، يسمع دعاءهم ويرفع عنهم الظلم مهما كان خفيًا. لقد كانت كلماتها البسيطة سببًا في نزول تشريعٍ سماويٍّ عادلٍ غيّر عادات الجاهلية إلى الأبد.
وتُعلّمنا القصة أن الشكوى إلى الله ليست ضعفًا بل إيمانًا، وأن العدل الإلهي لا يغيب عن مظلومٍ رفع يده إلى السماء.
قال تعالى في ختام القصة معنىً خالدًا يتردد في القلوب: “إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ”.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »
من جمال الكلمة إلى نور الهداية..
ارتبط الأدب منذ القدم بقدرة الكلمة على التأثير في النفوس وتشكيل الوعي والتعبير عن المشاعر والأفكار. والكلمة...
المزيد »
المأمون والإمام أحمد..
في العاشر من أغسطس سنة 833م، الموافق سنة 218هـ، توفي الخليفة العباسي عبد الله المأمون في بلاد الروم،...
المزيد »
تحولات المجتمع واختبار الأخلاق..
تحتل الأخلاق مكانة أساسية في حياة الإنسان، فهي الإطار الذي ينظم علاقته بنفسه وبأسرته ومجتمعه، وتحدد طبيعة...
المزيد »
إخراج القيمة في الزكاة..
الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامها وتفصيل مسائلها، ومن المسائل...
المزيد »
المنهج الدعوي عند الصحابة
يمثل عصر الصحابة رضي الله عنهم مرحلة مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد شهد انتشار الإسلام من شبه الجزيرة...
المزيد »
التيارات الفكرية بين الانفتاح الثقافي والثوابت الدينية
يشهد العالم المعاصر انفتاحا ثقافيا واسعا بفعل التطور الكبير في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، حتى...
المزيد »
القياس في أصول الفقه..
يعد القياس من أهم الأدلة التي اعتمد عليها علماء أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية للوقائع التي لم...
المزيد »
فقه الواقع وأهميته في نجاح الداعية المعاصر
من العلوم والمعارف المهمة التي يحتاج إليها الداعية في عصرنا الحاضر فقه الواقع، إذ لم تعد الدعوة تقتصر...
المزيد »
الخطابة..
الخطابة من أقدم فنون التواصل التي عرفها الإنسان، ومن أكثرها قدرة على التأثير في العقول والمشاعر وتوجيه...
المزيد »
شبهة تعدد الزوجات..
تعد شبهة تعدد الزوجات من أكثر الشبهات التي تتكرر عند الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، إذ يذهب بعض المنتقدين...
المزيد »
الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..
تعد القواعد الفقهية من أهم العلوم التي تكشف عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب مختلف الوقائع والأحوال،...
المزيد »
فقه الأقليات المسلمة
يعد فقه الأقليات المسلمة من المجالات الفقهية المعاصرة التي اكتسبت أهمية متزايدة مع اتساع وجود المسلمين...
المزيد »
المضاربة..
المضاربة من أبرز صيغ الاستثمار التي أقرها الفقه الإسلامي، وهي تقوم على التعاون بين طرفين، يقدم أحدهما...
المزيد »
الإمام الشاطبي وبناء علم المقاصد الشرعية
يعد الإمام أبو إسحاق الشاطبي واحدا من أبرز علماء أصول الفقه الذين أسهموا في ترسيخ علم المقاصد الشرعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك