بواعث وموانع التوبة

كيف أُكفِّر عن شيء أخطات فيه؟ وما هي شروط التوبة؟...

بواعث وموانع التوبة

س
كيف أُكفِّر عن شيء أخطات فيه؟ وما هي شروط التوبة؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعه إلى يوم الدين، وبعد:

التوبة لها بواعث ولها موانع، ومن موانع التوبة أن تستحكم الذنوب في حياة الإنسان وتُطبِق عليه، ويشعر باليأس ويقول أنني عشت طول حياتي مرتكباً للمنكرات مقترفاً للكبائر غارقاً في أوحال الذنوب ولو نزلت في المحيط الهادي لن يطهرني، بعض الناس يظن هذا، وهذا خطأ من غير شك، ليس هناك ذنب يعظم على عفو الله عز وجل مهما كان، الله تعالى يقول {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53).

الذنوب جميعاً بالتوبة حتى الشرك حتى الكفر؛ لأن الإنسان إذا كان مشركاً وكافراً وتاب يتوب الله عليه {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} (الأنفال:38)، والله تعالى قال للمؤمنين {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} (التوبة:5)، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} (التوبة:11).

فالتوبة تجُّب ما قبلها ومنها التوبة من الشرك والتوبة من النفاق والتوبة من الكبائر والتوبة من الصغائر، التوبة من كل ذنب حتى المنافقين ربنا سبحانه وتعالى قال {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} (النساء:154، 146)، ولكن بشرط أن يتوبوا فباب التوبة مفتوح للجميع، كل ما في الأمر أن تكون توبة صادقة توبة خالصة، توبة نصوحاً كما عبر القرآن الكريم؛ لأن بعض الناس يظن التوبة مجرد كلام يُقال وبعض الناس يأتي للمشايخ ويقول له توِّبني يا سيدنا الشيخ.

التوبة لها أركان أو مقومات ولها شروط، وأركان التوبة الأساسية ثلاثة: ركن الندم فمن مقومات التوبة يوجد مقوِّم نفسي وهذا كما قال الإمام الغزالي يتكون من علم وحال وعمل. علم وهو الجانب المعرفي في التوبة الإنسان يعرف خطأه وأنه سلك مع الله سلوكاً غير لائق ويعرف آثار هذه الذنوب وآثار المعاصي في دنياه وفي آخرته وعلى نفسه وعلى صحته وعلى أخلاقه وعلى أسرته وعلى أولاده يعرف هذا ويعرف مقام الله عز وجل ويعرف حاجته إلى التوبة هذا الجانب المعرفي.

والجانب المعرفي يترتب عليه جانب وجداني ويسميه الإمام الغزالي الحال وهذا الذي نقول عنه الندم فبعد أن يعرف الإنسان هذا يترتب عليه أن يندم، إذا انتبه القلب إلى آثار المعاصي ندم الإنسان، هذا الندم هو شعور توتر يحس به الإنسان بلذعة تلذع كأنها نار تحرقه احتراق داخلي، ربنا حدثنا عن نفسية التائبين في سورة التوبة فقال {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} (التوبة:118) هذه حالتهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت على سعة الدنيا تهيأ له كأنها أصبحت كرة صغيرة وضاقت عليه نفسه وظن ألا ملجأ من الله..

لا بد من هذه الحالة النفسية هذا الشعور بالحسرة والحزن على ما فات وما فرط في جنب الله، هذا الشيء الأول، بعد ذلك يؤثر هذا في ناحية أخرى وهي ناحية العزم والتصميم بالنسبة للمستقبل، ندمت على ما فات لابد من العزم على إصلاح ما هو آت، لا يكفي أن أكون زعلان وحزنان ومتحسر على ما مضى..

لا بد أن يؤدي هذا إلى أنني لن أعود إلى المعصية أبداً، قالوا: كما لا يعود اللبن إلى الضرع إذا خرج منه، فهو لابد أن يكون ساعة التوبة مصمماً على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى هناك جانب عملي بعد ذلك، بعد الجانب الوجداني والإرادي، يوجد جانب عملي وهو أن يُقلع بالفعل عن المعصية..

وهذا الجانب العملي له فروع منها أن يستغفر الله تعالى بلسانه: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23) ومنها أن يغير البيئة ففي الحديث الصحيح “إن رجلا قتل 99 نفساً وذهب إلى عابد وقال له: أنا قتلت 99 نفساً فهل لي من توبة؟، فقال له: ليس لك من توبة أبداً فقتله وأكمل به 100 نفس، ثم ذهب إلى عالِم فقال له: قتلت مئة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن اترك البلد التي أنت فيها واذهب إلى بلدة صالحة أخرى”..

معنى هذا أن الإنسان عليه أن يغير البيئة، الشِلَّة القديمة لابد أن يغير أصحاباً بأصحاب، وإخواناً بإخوان هناك أناس يدعونه إلى الخير إذا رآهم رؤيتهم تدله على الخير، كلامهم يحث على الطاعة، مصاحبتهم تغريه بتقوى الله، فلازم يغير البيئة، ومن ناحية أخرى قال صلى الله عليه وسلم “واتبع السيئة الحسنة تمحها” وكما قال الله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود:114)

فعليه أن يغير السيئة بحسنة، يبدل السيئة بالحسنة وخصوصاً حسنة من جنسها، فلو كان يعُقُّ والديه فعليه أن يبالغ في برِّهما، كان يقطع أرحامه عليه أن يصل الأرحام، كان يغتاب الناس عليه أن يذكر حسناتهم، كان يقرأ الكتب الغير مفيدة فعليه أن يقرأ كتاب الله ويقرأ الكتب الإسلامية، كان يشتغل مذيع للضلال، عليه أن يشتغل مذيع للصدق وللخير، كان يؤلف كتب تضلِّل الناس عن الله فعليه أن يؤلف كتب ترد الناس إلى الله وتدعو الناس إلى الله، فالسيئة يعمل حسنة من جنسها، فهذه هي أركان ومقومات التوبة، ليست مجرد أن يقول تبت إلى الله ورجعت إلى الله وندمت على معصية الله.

والتوبة سلوك ناتج عن وجدان وعن توتر وعزم يتبعه سلوك، فإذا صدقت التوبة لابد أن يتبعها سلوك ولذلك القرآن يقول {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} ( طه:82) ويقول {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان:68- 70).

فلابد من التوبة من تجديد الإيمان فالتوبة تجدد الإيمان؛ لأن الذنوب تخدش الإيمان فلابد أن نرمِّم هذا الإيمان بالتوبة وهو إيمان يتبعه عمل للصالحات.

والله أعلم

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك