وجوب تأديب الأولاد، وخطر تنشئتهم على المعصية وإهانتهم أمام الناس

أريد أن أعلم هل من الصائب أن يُعلِّم الأب ابنته كل ما هو خاطئ من سوء خلق، وكذب، ويعلم أن الغيبة والنميمة حرام، ويتركها تتحدث مع صديقاتها بالغيبة، والنميمة، ولا يمنعها، ويتركها تستمع للأغاني،...

وجوب تأديب الأولاد، وخطر تنشئتهم على المعصية وإهانتهم أمام الناس

س
أريد أن أعلم هل من الصائب أن يُعلِّم الأب ابنته كل ما هو خاطئ من سوء خلق، وكذب، ويعلم أن الغيبة والنميمة حرام، ويتركها تتحدث مع صديقاتها بالغيبة، والنميمة، ولا يمنعها، ويتركها تستمع للأغاني، وتشاهد الأفلام، وتفعل الأفعال السيئة، ثم بعد ذلك يحتقرها، ويسيء معاملتها، ويهينها أمام الجميع في الشارع، وفي المدرسة، والجامعة، ليذم لها ما تفعل، ويكرهها على الأخلاق السيئة التي تتصف بها، ويقول إنه يعلمها عمليا وليس نظريا؟ وهل إن كان يشاهد الأفلام أمامها، ويستمع إلى الأغاني وهو كاره لذلك؟ هل يصبح آثما بذلك؟ وإذا زوج الابنة من زوج يربي الأبناء بنفس ذلك الأسلوب، بما فيه من معصية لله، لكن بكره، وليس حبا في المعصية، لكي يعلم الأبناء. هل على الابنة أن تطيع زوجها في إفساد أخلاق الأبناء، ثم احتقارهم، وإهانتهم لأفعالهم؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن من الواجبات على الوالد في الإسلام، أن يحسن تربية أبنائه، وأن يصونهم عن المحرمات، وعما يفسد أخلاقهم.

قال ابن القيم في كتابه تحفة المودود: باب في وجوب تأديب الأولاد، وتعليمهم: قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} التحريم 6. قال علي رضي الله عنه: علموهم، وأدبوهم. وقال الحسن: مروهم بطاعة الله، وعلموهم الخير. وفي المسند، وسنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع. ففي هذا الحديث ثلاثة آداب: أمرهم بها، وضربهم عليها، والتفريق بينهم في المضاجع. وقد روى الحاكم عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله، ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله. وقال عبد الله بن عمر: أدب ابنك؛ فإنك مسؤول عنه ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك، وطواعيته لك. وقد روى البخاري في صحيحه، من حديث نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير راع على الناس، وهو مسؤول عن رعيته؛ والرجل راع على أهل بيته؛ وامرأة الرجل راعية على بيت بعلها، وولده، وهي مسؤولة عنهم؛ وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه. ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين، وسننه. فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت؛ إنك عققتني صغيرا، فعققتك كبيرا؛ وأضعتني وليدا، فأضعتك شيخا. فما أفسد الأبناء مثل تغفل الآباء، وإهمالهم، واستسهالهم شرر النار بين الثياب، فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمد العدو الشديد العداوة مع عدوه وهم لا يشعرون، فكم من والد حرم ولده خير الدنيا، والآخرة، وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله، وإضاعتهم لها، وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع، والعمل الصالح، حرمهم الانتفاع بأولادهم، وحرم الأولاد خيرهم، ونفعهم لهم، هو من عقوبة الآباء. اهـ بتصرف.

واحتقار الأبناء، والإساءة إليهم، وإهانتهم أمام الناس ظلم، وليس سبيلا لعلاج انحرافهم، بل قد يزيدهم ذلك انحرافا، ومن العجب أن يظلم الأب أبناءه بتربيتهم على السوء، ثم يسعى في علاج ذلك بأنواع أخرى من الظلم كالعدوان عليهم بالإساءة والإهانة.

واجتراح الوالد للمحرمات بين يدي أبنائه، يخشى أن يكون ذلك إعانة لهم عليها، فيبوء بإثمهم إذا ارتكبوها. وقد جاءت أدلة كثيرة تبين أن من أعان على معصية، له إثم، كما أن لفاعل المعصية إثما؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. وفي الحديث الآخر: لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل. متفق عليه.

وترجم عليه الإمام البخاري: باب إثم من دعا إلى ضلالة، أو سن سنة سيئة.

وليس للزوجة أن تطيع زوجها، أو تعينه على إهماله للأولاد، وتنشئتهم على المعصية، ورذائل الأخلاق، بل عليها أن تصون أولادها عن ذلك، وأن تنصح زوجها، وتكف فساده عن أولادها قدر وسعها.

وراجعي للفائدة الفتوى رقم: 35308، والفتوى رقم: 21907 .

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك