نصائح في تربية الأولاد

كثيرا ما نسمع أن الملوك والسلف قديما كانوا يؤدبون أبناءهم منذ الصغر, فيتسلمهم المؤدب، ويبدأ معهم في ذلك التأديب حتى يبلغ الابن الحلم. فأين هو ذلك المؤدب في زماننا الحالي؟ وكيف للأب أن يؤدب...

نصائح في تربية الأولاد

س
كثيرا ما نسمع أن الملوك والسلف قديما كانوا يؤدبون أبناءهم منذ الصغر, فيتسلمهم المؤدب، ويبدأ معهم في ذلك التأديب حتى يبلغ الابن الحلم. فأين هو ذلك المؤدب في زماننا الحالي؟ وكيف للأب أن يؤدب أبناءه منذ الصغر؟.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن تربية الأبناء وتأديبهم بآداب الشرع من آكد المهمات التي ينبغي تعاون الأسر والمجتمع عليها، ومن تعاونهم عليها أن يتعاونوا على تكوين علماء ربانيين تربويين ناجحين تتوفر فيهم أخلاق العلماء، وشفقة المربين، ورفقهم حتى يربوا النشء بأخلاقهم، ويرفقوا بهم، ويقوموا لهم بواجب الهداية والإرشاد والنصح والتعليم والتوجيه بالحكمة والصبر، فقد قال الإمام البخاري: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ {آل عمران: 79} حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. اهـ

وقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: والربّاني: هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وَليه المقسطون من المصْلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاحُ عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقون أن يكونوا ممن دَخل في قوله عز وجل: ولكن كونوا ربانيين… فالربانيون إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. اهـ.

وقال الإمامُ ابن القيم رحمه الله: ومعنى الرَّبانيِّ في اللغة: الرَّفيع الدرجة في العلم، العالي المنزلة فيه… قال ابن عباس: حكماء فقهاء، وقال أبو رزين: فقهاء علماء، وقال أبو عمر الزاهد: سألتُ ثعلبا عن هذا الحرف وهو الرباني، فقال: سألتُ ابن الأعرابي، فقال: إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني. اهـ.

وذكر الذهبي في السير عن عبد الله بن وهب قال: ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه. اهـ.

وقال النووي رحمه الله: وينبغي للمعلم أن يشفق على الطالب ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده ومصالح نفسه، ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص لا سيما إن كان صغير السن. انتهى.

وأما عن الأبوين: فعليهما تحمل مسؤولية تربية الأبناء على الدين، ووقايتهم من النار، وأن يهتما بتعليمهم العقيدة الصحيحة، والأحكام الشرعية، والآداب الإسلامية التي يحتاجونها لينشئوا نشأة إسلامية، فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً {التحريم: 6}. قال علي في تفسيرها: علموهم وأدبوهم.

وقال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ {طـه: 132}. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين. رواه مسلم والترمذي، واللفظ للترمذي. قال النووي في شرح عال: قام بالمؤنة والتربية.

وقد حث الشرع على تربية الأولاد، وحضهم من الصغر على تطبيق تعاليمه السمحة، لأن التعليم في الصغر أرسخ، ولهذا قالوا: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر.

وقال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا * على ما كان عوّده أبوه

فينبغي أن يربى الطفل من صغره بالحلال تربية جسمية وعقلية، فإذا عقل الخطاب ربي تربية تعبدية، فحدث عن الله وعن رسوله وعن الإسلام، وعود على الأذكار والتعوذات والأدعية المأثورة وعلى الأخلاق الفاضلة، وبدئ بتعليمه القرآن والسنة وما يحتاج له من أمور الدين، فإذا وصل السابعة أمر بالصلاة ورغب فيها وضرب عليها عند العاشرة، فعن جندب بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا. رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع.

ثم إنه لابد من تعليمه ما يحتاج له من علوم الوسائل المساعدة على فهم نصوص الوحي، ويتعين النظر في سلامة بيئته وصحبته من الشرور، فلا يسمح له بصحبة الأشرار، ولا بالذهاب لأوكار الفساد، بل يعوض عن ذلك بصحبة من يساعده على مهمته، فيربط بالمسجد وطلاب العلم ومجالس الخير، ثم يزوج إذا بلغ بذات الدين التي تعينه على أمر دينه وآخرته، ثم يعلم ويعان على طريقة كسب حلال يعف ويعول بها نفسه وأهله، وعلى خدمة مجتمعه بما ينفع من أمر الدين والدنيا، وليستعن في ذلك بمدارسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهناك كتب متخصصة في هذا المجال، منها: كتاب مسؤولية الأب المسلم مرحلة الطفولة ـ تأليف: عدنان حسن باحارث، وكتاب: منهج التربية النبوية للطفل ـ تأليف محمد نور سويد، وكتاب: تربية الأولاد في الإسلام ـ لعبد الله ناصح علوان، ويمكن تصفح موقع: المربي على الإنترنت، ويشرف عليه الشيخ محمد عبد الله الدويش، وقد تقدمت لنا فتاوى كثيرة في تربية الأولاد، فراجع مثلاً الفتاوى التالية أرقامها: 13767، 16834، 17078، 13607.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك