حكم صلاة الأقل حفظا إذا قدمه الناس على الأكثر حفظا

قرأت لفضيلتكم أن الأحفظ للقرآن، ‏والأكثر إتقانا لأحكامه، هو الأولى ‏بالإمامة. وقرأت أيضا في الفتاوى ‏أن الأقل حفظا، صلاته مجزئة، ولكن ‏سؤالي: هل يحث الشرع على ‏التنازل عن الإمامة لمن هو أقل ‏حفظا، من...

حكم صلاة الأقل حفظا إذا قدمه الناس على الأكثر حفظا

س
قرأت لفضيلتكم أن الأحفظ للقرآن، ‏والأكثر إتقانا لأحكامه، هو الأولى ‏بالإمامة. وقرأت أيضا في الفتاوى ‏أن الأقل حفظا، صلاته مجزئة، ولكن ‏سؤالي: هل يحث الشرع على ‏التنازل عن الإمامة لمن هو أقل ‏حفظا، من باب عدم الحرص على ‏الإمامة.‏ ‏ أسأل عن هذا؛ لأنني من حفظة ‏القرآن، وكثيرا ما يحدث أن يتقدم ‏علي من هو أقل مني حفظا بسبب ‏السن مثلا، ظنا منهم أن السن يقدم، ‏أو بسبب أنهم لا يعلمون أنني من ‏الحفظة.‏ ‏ فهل يحثني الشرع على التنازل عن ‏الإمامة مادام أن قراءتهم مجزئة، أم ‏يحثني على التمسك بالعمل بالحديث:‏‏(يؤم القوم أقرؤهم) مع ملاحظة أنه ‏قد يوجد بعض الضيق في نفوسهم، ‏كما يحدث في كثير من المساجد. ‏فأود النصيحة من فضيلتكم.‏
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالسنة أن يصلي بالناس أقرؤهم للقرآن، كما في صحيح مسلم، من حديث أبي مسعود-رضي الله عنه-أن النبي صلوات الله عليه قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله.

فإذا كنت تعلم من نفسك، ويعلم منك إخوانك أنك أقرأ القوم، فينبغي أن ُتقدم للإمامة؛ امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا تقدم من هو دونك من غير إذنك، وكان يأتي بالأركان سليمة، فالصلاة حينئذ صحيحة، مع كراهة نص عليها بعض أهل العلم.

جاء في الإنصاف: فإمامة المفضول بدون إذن الفاضل، مكروهة على الصحيح من المذهب، نص عليه. اهـ.

ولا شك أن الشرع يحث على تقديم الأفضل للإمامة، بنص الحديث السابق، لكن إذا كانت جماعة المسجد تتضايق من إمامته، ولا تريده، فلا يتقدم؛ لورود الأحاديث في النهي عن ذلك، منها ما روى عبد الرزاق في مصنفه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أم قوما وهم له كارهون، لم تجاوز صلاته ترقوته. قال الشيخ الألباني: صحيح بمجموع رواية جمع من الصحابة، بألفاظ متقاربة. اهـ

وجاء في الأم: قال الشَّافِعِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يُقَالُ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ من أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ له كَارِهُونَ، وَلَا صَلَاةُ امْرَأَةٍ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عنها، وَلَا عَبْدٌ آبِقٌ حتى يَرْجِعَ. ولم أَحْفَظْ من وَجْهٍ يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مثله، وَإِنَّمَا عنى بِهِ- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- الرَّجُلُ غَيْرُ الوالي يَؤُمُّ جَمَاعَةً يَكْرَهُونَهُ، فَأَكْرَهُ ذلك لِلْإِمَامِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ على الْمَأْمُومِ، يعنى في هذا الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لم يُحْدِثْ شيئا كُرِهَ له، وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ في هذه الْحَالِ مُجْزِئَةٌ، وَلَا أَعْلَمُ على الْإِمَامِ إعَادَةً؛ لِأَنَّ إسَاءَتَهُ في التَّقَدُّمِ لَا تَمْنَعُهُ من أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنْ خِفْت عليه في التَّقَدُّمِ. اهـ.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي هنا مقيد بما إذا كانت كراهة القوم لمن يؤمهم ناتجة عن غرض صحيح، وإلا فلا عبرة بها.

جاء في منح الجليل: و كره إمامة من يكره، بضم المثناة، وفتح الراء أي كرهه أقل الجماعة غير ذي الفضل منهم، فإن كرهه كلهم، أو جلهم، أو ذو الفضل منهم وإن قل، فإمامته محرمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من أم قوما وهم له كارهون. ولقول عمر- رضي الله تعالى عنه-: لأن تضرب عنقي، أحب إلي من ذلك. إذا كانت كراهته لارتكابه أمورا مزرية موجبة للزهد فيه، والكراهة له، ولتساهله في السنن كالوتر، والعيد، والنوافل كالرواتب، ولا عبرة بكراهته لغرض فاسد. اهـ.

إلا أن هذا يعارض ظاهر الأحاديث، حيث أطلقت ولم تقيد.

يقول الشيخ العثيمين، في الشرح الممتع على زاد المستقنع: وأفادنا قوله: «بِحَقٍّ» أنَّهم لو كرهوه بغير حَقٍّ، مثل: لو كرهوه لأنَّه يَحْرِصُ على اتِّباعِ السُّنَّةِ في الصَّلاةِ فيقرأ بهم السُّورَ المسنونةَ، ويُصلِّي بهم صلاةً متأنيةً، فإن إمامتَه فيهم لا تُكره؛ لأنَّهم كرهوه بغيرِ حَقٍّ، فلا عِبرةَ بكراهتهم. لكن؛ ظاهرُ الحديثِ الكراهةُ مطلقاً، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن صلاةِ الجماعةِ هو الائتلافُ، والاجتماعُ. وإذا كان هذا هو الغَرضُ؛ فمِنَ المعلومِ أنَّه لا ائتلافَ، ولا اجتماعَ إلى شخصٍ مكروهٍ عندَهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونَه بغير حَقٍّ أنْ يَعِظَهُم ويُذكِّرَهم، ويتألَّفَهم؛ ويُصلِّيَ بهم حسب ما جاءَ في السُّنَّةِ، وإذا عَلِمَ اللهُ مِن نِيَّتِهِ صِدْقَ نِيَّةِ التأليفِ بينهم يَسَّرَ اللهُ له ذلك. اهـ.

وعلى كل، فترك بعض المستحبات لتأليف القلوب مما يشرع كما بيناه في الفتوى رقم: 134457، وعليه فإن ترك الإمامة بمن يتضايقون من إمامتك أولى، سواء كان تضايقهم له ما يبرره أم لا.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك