![]()
التنمر بين الفتيات..
جروح لا تندمل بسهولة
إبراهيم شعبان
التنمر بين الفتيات..
جروح لا تندمل بسهولة
وراء الابتسامات المتلألئة، وتحت ضحكات المرح التي تملأ الأجواء، قد تكمن حرب صامتة ذات إيقاع خفي. إنها حرب الكلمات المسمومة، والنظرات المحمَّلة بالازدراء، والإقصاء المتعمد، والعزلة التي تُفرض كعقاب. هذه هي معالم “التنمر العلائقي”، ذلك النمط الأكثر شيوعاً بين الفتيات، والذي لا يعتمد على اللكمات بل على فنون إيذاء النفس والروح. إنه تنمر يرتدي ثوب الرقة أحياناً، ويتخفى وراء مجاملات مُرة، ويُدار بمهارة تثير الإعجاب والرعب في آنٍ واحد.
وجوه القبح الخفي: تشريح آليات الإيذاء
لا يقتصر تنمر الفتيات على الشتيمة المباشرة أو الاعتداء الجسدي، بل يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وضرراً على المدى البعيد. إنه فن تحطيم الآخر دون رفع الصوت. تبدأ آلياته من الإقصاء الاجتماعي، حيث تُمنع الضحية من الانضمام إلى مجموعة ما، أو يُتجاهل وجودها متعمداً. ثم يأتي دور التنمر الإلكتروني، حيث تتحول منصات التواصل إلى ساحات للإذلال عبر التعليقات الجارحة، أو إنشاء حسابات وهمية للسخرية، أو نشر الشائعات. ولا ننسى التنمر بالغمز واللمز، عبر نظرات الاحتقار، أو الهمسات المصطنعة، أو السخرية غير المباشرة من المظهر أو السلوك. هذه الآليات مجتمعة تشكل سجناً نفسياً للضحية، حيث يشعر أنها مراقبة ومحط سخرية في كل مكان.
جذور الأزمة: لماذا تتحول بعض الفتيات إلى متنمرات؟
وراء كل فتاة متنمرة قصة خفية تحتاج إلى فهم. قد تكون الرغبة في القوة والسيطرة لتعويض شعور بالنقص أو انعدام الأمن في بيئة أخرى. أو قد تكون التنشئة الأسرية السبب، حيث ينشأ الطفل في بيئة قاسية أو متسلطة، فيعيد إنتاج هذا النموذج في تعاملها مع الآخرين. في أحيان كثيرة، يكون التنمر مجرد تقليد لسلوك البالغين أو رد فعل على الضغط الاجتماعي للانتماء إلى مجموعة معينة، حيث يتم اختيار الضحية ككبش فداء لتعزيز تماسك المجموعة المتنمرة. فهم هذه الجذور لا يبرر السلوك، لكنه يضيء الطريق نحو علاجه بشكل جذري.
الندوب الخفية: الآثار التي لا تزول بزوال الصفعة
إذا كانت آثار التنمر الجسدي تزول بزوال الكدمات، فإن آثار التنمر النفسي بين الفتيات قد تلازم الضحية لسنوات، بل وربما طوال الحياة. تبدأ ب تآكل الثقة بالنفس وشعور متواصل بعدم الأمان. ثم تأتي المشاكل النفسية مثل القلق والاكتئاب، وقد تصل في الحالات الشديدة إلى أفكار انتحارية. على المستوى الأكاديمي، يشهد الأداء الدراسي تراجعاً ملحوظاً due إلى صعوبة التركيز وانعدام الرغبة في الذهاب إلى المدرسة. الأسوأ من ذلك كله هو أن الضحية قد تتحول هي نفسها إلى متنمرة في المستقبل، في دائرة مفرغة من الألم.
كسر الحلقة: نحو ثقافة التعاطف والاحترام
مواجهة تنمر الفتيات تتطلب استراتيجية متعددة المستويات. تبدأ من المنزل، بتربية البنات على التعاطف واحترام الاختلاف، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن بعيداً عن المقارنات. في المدرسة، يجب تطبيق برامج واضحة لمكافحة التنمر، مع وجود مرشدين نفسيين مدربين على التعامل مع هذه الحالات بجدية. على مستوى الضحية، يجب تشجيعها على الكلام وطلب المساعدة من شخص بالغ موثوق، ومساعدتها على بناء دائرة داعمة من الأصدقاء. أما المتنمرة نفسها، فيجب مساعدتها على فهم دوافع سلوكها المدمر وتوجيه طاقاتها نحو الأنشطة الإيجابية.



