![]()
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر بالقرآن.
فالماهر بالقرآن ليس قارئاً عادياً، بل هو عاشقٌ للكتاب، يذوب في حروفه حتى تصبح أنفاسه إيقاعاً منسجماً مع نغماته، ويغدو صوته جسراً بين الأرض والسماء. إن وصف النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه “مع السفرة الكرام البررة” يفتح أمامنا أفقاً روحياً عميقاً، إذ يضعه في مصاف الملائكة الذين يحملون الوحي ويؤدونه بأمانة، وكأن الماهر بالقرآن قد ارتقى من مقام البشر إلى مقام الصفوة، ليصبح شاهداً على عظمة الكلمة الإلهية وحارساً لها في الدنيا والآخرة.
هذا المقام ليس هبة عابرة، بل ثمرة جهدٍ وصبرٍ ومجاهدة، حيث يتداخل الحفظ مع الفهم، ويتعانق التجويد مع الخشوع، ليولد إنساناً قرآنيّاً يعيش بالكتاب ويُحيي به القلوب. ومن هنا، يصبح الحديث
فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة”، وهو حديث يفتح أبواب التأمل في منزلة من أتقن كتاب الله لفظاً ومعنى. الماهر هنا ليس مجرد حافظٍ للآيات، بل هو الحاذق الذي يجمع بين جودة الحفظ وحسن الأداء، فلا يتوقف في قراءته ولا يشق عليه النطق، بل ينساب القرآن على لسانه كما ينساب الماء الرقراق في مجراه. وقد وصف العلماء هذا الماهر بأنه من أدمن درس القرآن، وأحكم تجويده، وفهم وجوه إعرابه ولغاته، وأخذ بحظ وافر من تفسيره وتأويله، حتى صار إماماً يُقتدى به ويُعتمد عليه في الدين والدنيا.
مع السفرة الكرام البررة
الحديث يربط الماهر بالقرآن بالملائكة الذين وصفهم الله بأنهم “سفرة كرام بررة”. والسفرة هم الكتبة الذين يكشفون الحقائق ويبينونها، والملائكة هم حملة الوحي وأمناء الكتب الإلهية. فالماهر بالقرآن يُشبههم في صفاتهم، إذ يحمل كتاب الله ويؤديه إلى الناس، ويكشف لهم ما يلتبس عليهم، فيكون عاملاً بعمل الملائكة وسالكاً مسلكهم. هذا التشبيه يرفع مقام الماهر إلى منزلة رفيعة، حيث يصبح رفيقاً للملائكة في الآخرة، أو شبيهاً بهم في الدنيا من حيث الطاعة والبر والنزاهة.
أجر الماهر وأجر المتتعتع
الحديث لم يغفل حال من يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه، أي يتردد ويشق عليه النطق، بل بشّره بأجرين: أجر القراءة وأجر المشقة. وهذا تحفيز عظيم لكل من يجد صعوبة في التلاوة، ليعلم أن جهده لا يضيع، وأن الله يضاعف له الأجر على صبره ومثابرته. ومع ذلك، يبقى الماهر أفضل منزلة وأكثر أجراً، لأنه اندرج في سلك الملائكة المقربين، وجمع بين الحفظ والإتقان والبر.
أبعاد تربوية وروحية
هذا الحديث يكشف عن أبعاد تربوية عميقة؛ فهو يربط بين الإتقان والرفعة، ويؤكد أن العلم لا يكتمل إلا بالعمل، وأن الحفظ لا يغني عن الفهم، وأن التلاوة لا تثمر إلا إذا اقترنت بالخشوع والوقار. الماهر بالقرآن ليس مجرد قارئ، بل هو حامل رسالة، يعيش بالقرآن ويُحيي به القلوب، ويجعل من تلاوته سلوكاً يومياً ينعكس على أخلاقه ومعاملاته. أما من يتتعتع، فإن الحديث يفتح له باب الأمل، ويؤكد أن الطريق إلى الإتقان يبدأ بالمجاهدة، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولو كان في بدايته متعثراً.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التلاوة, السفرة الكرام البررة, الماهر بالقرآن



