![]()
سبعون عامًا من الحياة
ولادة السعادة من رحم الحكمة
- الأسرة المسلمة
- بعد الستين
إبراهيم شعبان
سبعون عامًا من الحياة
ولادة السعادة من رحم الحكمة
يظن كثيرون أن السعادة تسكن ربيع العمر، حيث الحماس يفيض والقوة في أوجها، لكن العلم كان له رأي آخر أكثر إدهاشًا؛ إذ كشفت دراسات حديثة أن السعادة الحقيقية لا تبلغ ذروتها إلا عند السبعين، حين تكتمل التجربة وتتوازن الرؤية، فينضج الفرح كما تنضج الثمار بعد طول انتظار.
ففي دراسة موسّعة أجراها باحثون ألمان وسويسريون على أكثر من 460 ألف مشارك من ثقافات شتى، تبيّن أن منحنى السعادة لا يسير على وتيرة واحدة. فقد لاحظ الباحثون أن الرضا عن الحياة والمشاعر الإيجابية تتراجع بين سن التاسعة والسادسة عشرة، ثم تبدأ بالصعود البطيء الثابت حتى تبلغ القمة عند السبعين، لتبدأ بعد ذلك رحلة انحدار تدريجية نحو التسعينات. وكانت المفاجأة أن السبعينيين هم الأكثر شعورًا بالرضا والطمأنينة مقارنة بجميع الفئات الأخرى.
لماذا يزدهر الشعور بالسعادة في السبعينيات؟
أظهرت دراسة أخرى أجرتها منظمة AARP بالتعاون مع National Geographic أن نحو 90% من الأشخاص في السبعينيات يصفون أنفسهم بالسعداء، مقابل 81% في الستينيات و80% في الأربعينيات. هذه الأرقام دفعت الباحثين إلى تأمل سرّ هذا الرضا المتأخر.
السبب الأول، كما تشير التحليلات النفسية، هو أن النضج العاطفي والمعرفي في هذه المرحلة يمنح الإنسان رؤية أكثر صفاءً للحياة. فبعد أن خاض معارك الطموح والمنافسة والتحدي، يصل إلى أرض السكينة، حيث لا تعود المكاسب المادية أو الاجتماعية معيارًا للفرح، بل تصبح العافية والراحة والرضا الداخلي هي الموازين الحقيقية للسعادة.
التحرر من الأعباء… بداية السلام الداخلي
في السبعينيات، يتخفف الإنسان من أعباء العمل وضغوط المسؤوليات اليومية. لم يعد هناك سباق مع الزمن أو قلق من المستقبل؛ بل يصبح الوقت ملكًا له، يقضيه مع من يحب، ويستمتع بما كان يؤجله في شبابه. ومع زوال الأعباء المالية والمهنية، يستعيد المرء ذاته، فينصت لصوته الداخلي، ويتصالح مع الماضي، ويتقبل الحاضر برضا جميل.
العلاقات الإنسانية في نضجها الأجمل
بيّنت الدراسة أن 81% من السبعينيين يشعرون بالرضا عن علاقاتهم الاجتماعية والعائلية، مقابل 69% فقط في الستينيات. فالسنوات الطويلة تهذّب القلب، وتعلّم الإنسان أن السلام أهم من الانتصار، وأن القرب الصادق أثمن من الكثرة. لهذا يصبح الحب والعائلة والأصدقاء الحقيقيون محور الفرح، لا الصخب ولا الاستعراض.
السعادة.. ابنة الرضا لا العمر
ليست السعادة إذن نتاج الشباب ولا القوة، بل ثمرة الرضا، وحكمة التجربة، وسكينة القلب بعد طول السير. عند السبعين، تتبدل المقاييس: فبدل اللهاث نحو الكمال، يتعلّم الإنسان أن يفرح بالكفاية، وبدل الخوف من الفقد، يتعلم قيمة البقاء، وبدل السعي خلف الغد، يجد لذة اللحظة الحاضرة.
سبعون عامًا ليست نهاية الطريق، بل قمة الجبل التي يُرى منها الجمال كله، بعد أن مضى العمر في الصعود. هناك، حيث تهدأ الأنفاس وتصفو الرؤية، يكتشف الإنسان أن السعادة لم تكن يومًا في البدايات، بل في النهاية حين يفهم معنى الاكتفاء.
- كلمات مفتاحية | الحياة بعد الستين, السعادة الحقيقية, السعادة بعد الستين, السعادة في الكبر, العطاء بعد الستين



