![]()
من هنا نعلم
محاولة موفقة لتصويب الفكر السائد
من هنا نعلم
محاولة موفقة لتصويب الفكر السائد
- كتب
وضع الشيخ محمد الغزالي في كتابه “من هنا نعلم” للعقل المسلم بوصلةً تهديه، وللقلب منهجًا يزكّيه، وللمجتمع طريقًا ينهض به من وهدة الجهل إلى نور الفهم والإيمان. إنه ليس كتابًا في الوعظ التقليدي، بل في التربية الفكرية والروحية، يوازن بين العقل والشرع، بين العلم والدين، وبين الإنسان وواجبه تجاه خالقه وأمته.
الفكر أساس الإيمان
يفتتح الغزالي كتابه بتقريرٍ جوهري: أن الإيمان الحقيقي لا يقوم على الوراثة ولا على التلقين، وإنما على العقل المتدبّر الذي يتفكر في خلق الله، ويستدل على عظمته من آيات الكون والشرع معًا. فالدين عنده ليس تعبدًا أعمى، بل إدراكٌ للعقيدة بوعيٍ وبصيرة. يهاجم الغزالي الجمود العقلي الذي يجعل الناس يتعبدون للمألوف بدلًا من أن يعبدوا الله، ويرى أن أول خطوة للنهضة هي أن يتعلم المسلم كيف يفكر قبل أن يعتقد، وكيف يعرف قبل أن يتبع.
الإسلام بين الحقيقة والتقليد
يمضي الغزالي بعد ذلك ليتحدث عن الإسلام الذي غاب جوهره في زحمة الطقوس والمظاهر. ينتقد الذين حوّلوا الدين إلى شعائر خالية من الفكر والعمل، ويدعو إلى الإسلام الذي يُترجم إلى صدقٍ في المعاملة، وعدلٍ في الحكم، وأمانةٍ في الأداء. يقول في إحدى فقرات الكتاب: “ليس الدين كلمة تُقال، بل سلوكٌ يُرى وآثارٌ تُلمس.”
ومن هنا يتجلى الطابع الإصلاحي الذي تميز به فكر الغزالي؛ فهو لا يكتفي بالنقد، بل يضع بدائل عملية لإحياء روح الدين في الحياة العامة، مستلهمًا من السيرة النبوية منهجها التربوي القائم على إصلاح الفرد لبناء المجتمع.
التعليم سبيل النهضة
يرى الغزالي أن العلم هو السلاح الأول للمسلم في معركة الوجود، وأن الأمة التي تهمل التعليم تحكم على نفسها بالانقراض. لكنه يفرّق بين العلم المنتج والعلم الميت؛ فالأول ينهض بالعقول ويغذي الإيمان، والثاني حشوٌ للذاكرة لا يُثمر وعيًا ولا عملاً. لذا فإن «من هنا نعلم» ليس مجرد دعوة إلى التعليم، بل إلى التعلّم الهادف الذي يصنع الوعي ويُقوّم الضمير. يقول الغزالي في موضعٍ بليغ: “العلم الذي لا يصنع إنسانًا صالحًا، عبءٌ على صاحبه وعلى المجتمع معًا.”
الغزالي بين الفكرة والدعوة
في هذا الكتاب تتجلى شخصية الغزالي المفكر والداعية معًا. فهو لا يكتب من برجٍ عاجي، بل يخاطب الناس بلسانٍ قريبٍ من حياتهم اليومية، يستخدم لغة الأدباء وحجج العلماء. ويجمع في أسلوبه بين حرارة الإيمان ودقة المنطق، وبين الأدب الرفيع والتحليل العميق.
منهجه في الدعوة يتسم بالوسطية والإنصاف؛ فهو يرفض التشدد كما يرفض التفلت، ويؤمن بأن الدين الحق هو الذي يفتح للعقل آفاقه لا الذي يُكبّله. ومن هنا كان تأثيره البالغ في أجيالٍ من الشباب والمثقفين الذين وجدوا في فكره جسرًا بين الأصالة والمعاصرة.
أول طريق النور
يختم الغزالي كتابه بنداءٍ للأمة أن تتحرك، لا أن تكتفي بالمعرفة. فالعلم – كما يرى – مقدمة العمل، والفكر إن لم يتحول إلى سلوكٍ حضاري، ظلّ كلماتٍ في الهواء. لذا فإن رسالة «من هنا نعلم» ليست في التعليم وحده، بل في إحياء الإنسان المسلم المفكّر، الحرّ، المسؤول عن نهضة مجتمعه وإصلاح نفسه.
وهكذا يبقى الكتاب صرخة وعي في وجه الركود، ونداء إصلاحٍ متجدد في كل عصر، يذكّرنا بأن أول طريق النور يبدأ من هنا… من أن نعلم حقًا ما نؤمن به، ثم نعمل بما علمنا.
- كلمات مفتاحية | الإصلاح الإسلامي, الإصلاح الديني, الشيخ محمد الغزالي, الفكر الإسلامي, الوعي الديني, من هنا نعلم



