![]()
حوار الحضارات
حين دعا روجيه جارودي العالم إلى لقاء على مائدة الإنسان
- فيلسوف فرنسي مسلم
حوار الحضارات
حين دعا روجيه جارودي العالم إلى لقاء على مائدة الإنسان
- كتب
خرج المفكر الفرنسي روجيه جارودي بكتابه حوار الحضارات ليقترح طريقًا يمكن أن يسلكه العالم بديلا عن طريق الصراع والصدام: طريق الكلمة بدل الرصاصة، والاعتراف المتبادل بدل الإلغاء المتبادل. لم يكن هذا الكتاب مجرد بيانٍ للسلام أو أمنية شاعرية لعالمٍ متصالح، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا يعيد تعريف العلاقة بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، في ضوء فلسفة إنسانية متوازنة تعيد الاعتبار للقيم والروح في وجه طغيان التقنية والمادة.
تمهيد الفكرة: ضد صدام الحضارات
جاء الكتاب ردًّا على الموجة الفكرية التي بشّر بها صامويل هنتنغتون في تسعينيات القرن العشرين تحت عنوان “صدام الحضارات”، تلك النظرية التي صوّرت العالم كميدان حربٍ دائمة بين الهويات الثقافية والدينية. واجه جارودي هذا الطرح من موقع الفيلسوف الذي خبر الغرب من داخله وأسلم قلبه للإسلام من بعد، فكتب حوار الحضارات ليقول إن البديل الحقيقي عن الصدام ليس التعايش البارد ولا الهيمنة المقنّعة، بل الحوار القائم على الندية والاحترام المتبادل والتكامل القيمي.
يؤكد جارودي منذ الصفحات الأولى أن “الحضارات لا تتصادم إلا حين تفقد القدرة على الحوار”، وأن العنف الثقافي لا يولد إلا من شعورٍ بالعجز أو الغرور. ومن هنا يبدأ مشروعه الفكري في هذا الكتاب: إعادة بناء لغةٍ مشتركة بين الأمم تُعيد للإنسان مكانته في قلب المعادلة الحضارية.
الفصول الأولى: تشخيص العطب الغربي
يقسّم جارودي كتابه إلى فصول تتدرج من التشخيص إلى الاقتراح. ففي الفصول الأولى، يتناول أزمة الحضارة الغربية بوصفها أزمة بنيوية في تصورها للإنسان والعالم. يرى أن الغرب بعد عصر النهضة قطع صلته بالعالم الروحي، فحوّل التقدم العلمي إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلةً لتحرير الإنسان. وهكذا تحولت التقنية إلى صنم جديد، وبلغت الرأسمالية ذروتها في تحويل الإنسان إلى سلعة.
ويشرح جارودي بأسلوب تحليلي عميق أن هذه الأزمة ليست شأناً داخلياً غربياً فحسب، بل إنها باتت أزمة عالمية لأن النموذج الغربي فرض نفسه على الجميع عبر الاقتصاد والإعلام والسياسة. ومن ثمّ فإن البحث عن التوازن الإنساني يقتضي إصغاء العالم الغربي إلى بقية الحضارات، لا باعتبارها “تأخراً” يحتاج إلى اللحاق به، بل باعتبارها مستودعًا لقيم روحية يمكن أن تعيد للعالم إنسانيته.
فصول الحوار: الشرق شريك لا تابع
في الفصول الوسطى من الكتاب، يطرح جارودي مفهوم التكامل بين الحضارات بوصفه المبدأ الأسمى الذي يجب أن يحكم العلاقات الدولية والثقافية. يستعرض تجارب الحضارات الكبرى — الإسلامية، والمسيحية، والبوذية، والهندية، والإفريقية — مبينًا كيف أن كل حضارة أسهمت في صياغة جانبٍ من التجربة الإنسانية.
ويمنح الحضارة الإسلامية موقعًا مركزيًا في هذا الحوار، لأنها — في نظره — الحضارة الوحيدة التي استطاعت أن توفّق بين الإيمان والعقل، بين العلم والضمير، وبين حرية الإنسان ومسؤوليته أمام الله. فالإسلام، كما يقدّمه جارودي، يملك رؤية كونية للحوار لا تذيب الفوارق ولا تكرّس الانغلاق، بل تعترف بالتعدد بوصفه سنّةً من سنن الله في خلقه: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين».
وفي ضوء هذا الفهم، يوجّه نقدًا لاذعًا للغرب الذي يروّج لقيم “عالمية” ذات مضمون غربي صرف، ويرى أن فرض تلك القيم على الآخرين باسم “الحداثة” ليس سوى استعمارٍ ثقافيٍّ جديد يقتل روح الحوار. فالحوار عنده لا يكون بين قويٍّ وملحقٍ به، بل بين أندادٍ يعترفون بتكاملهم لا بتفاضلهم.
الفصول الأخيرة: نحو أخلاق إنسانية مشتركة
يتقدّم الكتاب في فصوله الأخيرة إلى رسم ملامح ما يسميه جارودي “الميثاق الإنساني للحوار”. ففي مقابل العولمة المادية التي تسحق الخصوصيات، يدعو إلى عولمةٍ أخلاقية وروحية تُعيد تعريف التنمية والنهضة على أساس الكرامة الإنسانية لا على أساس الناتج القومي.
يقترح أن تبدأ الأمم بحوارٍ ثلاثي المستويات:
- حوار الأديان لتقريب القيم الروحية.
- حوار الثقافات لتبادل المعارف والتجارب.
- حوار المصالح لضمان عدالةٍ اقتصادية تُنهي الاستغلال العالمي.
ويشدّد على أن هذا الحوار لا ينجح إلا إذا استند إلى قاعدة العدالة، لأن الحوار في غياب المساواة يتحوّل إلى تبريرٍ للهيمنة. كما يذكّر بأن الحوار ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية في عالمٍ مهددٍ بالفناء النووي والبيئي والروحي، وأن مصير الإنسانية اليوم يتوقف على قدرتها على الإصغاء إلى صوت الآخر دون خوف أو كبرياء.
الرسالة الكبرى للكتاب: من الهيمنة إلى الشهادة الحضارية
يختتم جارودي كتابه برؤيةٍ تحمل ملامح الأمل، إذ يرى أن مستقبل الإنسان لن يُبنى على الغلبة بل على المشاركة. يدعو الغرب إلى أن يتعلّم من الشرق معنى السكينة والتوازن، ويدعو الشرق إلى أن يتعلّم من الغرب روح النظام والبحث العلمي، ليقوما معًا على بناء حضارةٍ جديدة “تتقدّم بالعلم وتتعالى بالإيمان”.
وهكذا، فإن حوار الحضارات ليس مجرد نقدٍ للغرب ولا تمجيدٍ للشرق، بل نداء كونيٌّ للعودة إلى الإنسان، ليكون محور الفكر والسياسة والاقتصاد. إنه كتاب يسبق زمانه، ويضع بين أيدينا مشروعًا أخلاقيًا للحضارة القادمة، حضارة الإنسان المتكامل، الذي لا يُعرّف نفسه ضدّ الآخر، بل عبر الآخر.
- كلمات مفتاحية | الإسلام والغرب, حوار الحضارات, روجيه جارودي, صدام الحضارات



