![]()
النبأ العظيم.. قراءة عميقة في الظاهرة القرآنية
- كتب
يقف الدكتور محمد عبد الله دراز، في كتابه النبأ العظيم، وقفة العالِم المتأمل أمام معجزة الوحي، لا كمن يروي الإيمان رواية، بل كمن يُقِيم عليه البرهان إقامة. هذا الكتاب ليس دفاعًا عن القرآن فحسب، بل هو تحليل للعلاقة بين الوحي والعقل، بين النصّ الإلهي والضمير الإنساني، بين “الكلمة” و”الوجود”. فمن خلال أسلوبه الفريد الذي يجمع بين عمق المتكلمين، ومنهج المحدثين، وبلاغة الأديب، يقدّم دراز تجربة فكرية وروحية في آنٍ واحد، تجعل القارئ يعيد النظر في معنى القرآن ذاته: أهو كتاب تلاوة أم مشروع حياة؟
القسم الأول: معنى النبأ العظيم
يبدأ دراز كتابه بتأمل في لفظ العنوان نفسه: النبأ العظيم. فهو نبأ، لأنه خبر يتضمن معنى الإنباء عن غيبٍ لا يُدرك بالعقل وحده؛ وهو عظيم، لأن أثره يتجاوز حدود الفرد إلى مصير الأمة والإنسانية جمعاء. يبيّن المؤلف أن القرآن ليس كتابًا غامضًا ولا رواية بشرية، بل خطاب إلهي يواجه الإنسان بكل أبعاده: العقلية، والوجدانية، والأخلاقية، والاجتماعية. ثم ينتقل ليكشف أن هذا “النبأ” لا يُدرك بمجرد التلاوة، بل عبر التجربة، إذ لا يفتح القرآن كنوزه إلا لمن يقرأه قراءة الساعي إلى الحقيقة، لا الباحث عن الحروف.
القسم الثاني: حقيقة الوحي ومصدر القرآن
في هذا القسم يعالج دراز سؤالًا طالما شغل المشتغلين بالدين والفلسفة: هل القرآن من عند الله أم من عند محمد ﷺ؟
يبدأ بالردّ على شبهات القائلين بأن النبي تأثر ببيئته أو بثقافة عصره، موضحًا أن شخصية محمد ﷺ لم تكن تملك من الوسائل الفكرية أو الأدبية ما يؤهله لصناعة مثل هذا الكتاب الذي جمع بين روعة البيان، وسعة التشريع، وعمق النظرة الكونية.
ويستعرض المؤلف خصائص الخطاب القرآني التي تنقض فرضية التأليف البشري: وحدة النَفَس، وتماسك النسق، وتوازن العاطفة والعقل، والاتساق بين الغيب والشهادة. ثم يعرض صورًا من إعجاز البيان القرآني، فيُبرز كيف أن الكلمة الواحدة في القرآن تحمل شحنة معنوية ودلالية لا يستطيع البشر محاكاتها، حتى لو اجتمعوا على قلب رجل واحد.
القسم الثالث: القرآن والعقل
هنا ينتقل دراز من ميدان الإعجاز اللغوي إلى ميدان الإعجاز العقلي. فهو يرى أن القرآن ليس خصمًا للعقل، بل هو مرشده ومؤدبه، إذ يُوقظ في الإنسان ملكة التفكير الحرّ، ويضع للعقل حدوده كي لا يتيه في الغيب.
يعرض المؤلف نماذج من الآيات التي تدعو إلى النظر والتأمل في الكون والأنفس، مؤكِّدًا أن العقل في المنظور القرآني ليس أداة جدلٍ، بل وسيلة هداية. ثم يقارن بين المنهج القرآني في الاستدلال، وبين المناهج الفلسفية القديمة، مبيّنًا أن القرآن جمع بين بداهة الفطرة وبرهان العقل، دون أن يُلغِي أحدهما لصالح الآخر.
القسم الرابع: النظام الأخلاقي في القرآن
يُعدّ هذا القسم تمهيدًا لكتابه الآخر دستور الأخلاق في القرآن. يشرح فيه أن القرآن لا يقدّم الأخلاق بوصفها أوامر جامدة، بل يصوغها في ضوء العقيدة والتوحيد. فكل قيمة أخلاقية – من الصدق والعفة إلى العدل والإحسان – مرتبطة بعلاقة الإنسان بربه، لا بمجرد نفعها الاجتماعي.
ويؤكد دراز أن السرّ في خلود الرسالة القرآنية هو هذا الربط بين الإيمان والسلوك؛ فالقرآن لا يفصل بين العقيدة والعمل، ولا بين العبادة والمعاملة، بل يجعل الأخلاق ثمرة طبيعية للإيمان الحق.
القسم الخامس: أثر القرآن في النفس والمجتمع
في هذا المبحث البديع، يرسم دراز لوحة حيّة لتأثير القرآن في النفوس التي تلقّته بصفاء القلب. فهو الذي حوّل العرب من قبائل متناحرة إلى أمة شاهدة على الناس. ويُبرز المؤلف أن هذا التحوّل لم يكن سحرًا لغويًا، بل ثورة داخلية أحدثها القرآن في ضمير الإنسان.
ثم يقف عند مفهوم “الهداية القرآنية”، مبيّنًا أنها ليست مجرّد معرفة، بل انتقال من الظلمة إلى النور، ومن التيه إلى الطريق. ولذا، فإن القرآن لا يُقرأ كما تُقرأ الكتب، بل يُتلى ليُغيّر الإنسان من الداخل.
القسم السادس: منهج المؤلف وأسلوبه
يتميّز أسلوب دراز في النبأ العظيم بجمعه بين التحليل العقلي والوجد الإيماني؛ فهو يكتب كما يفكر المتكلم، ويشعر كما يخشع المؤمن، ويبدع كما يصوغ الأديب. لغته جزلة متينة، تمتاز بإيقاعٍ قرآني يشي بأن صاحبه عاش مع النص لا حوله. كما اعتمد على المنهج الاستقرائي المقارن، فأقام أدلته على أساس من الملاحظة النصية والتأمل المنطقي، دون إفراط في النقل أو تقليد للمستشرقين.
وقد أراد من هذا الكتاب أن يكون جسرًا بين المؤمن والباحث، بين من يقرأ القرآن تعبّدًا، ومن يدرسه فكرًا، ليكتشف كلاهما أن الوحي لا يُناقَض بالعقل، بل يُكمّله.
مشروع حضاري
ينتهي دراز إلى خلاصة بليغة: أن القرآن هو الظاهرة الفريدة في التاريخ الإنساني التي جمعت بين البيان والتشريع والعقيدة والفكر، دون أن تفقد صفاءها الإلهي. إنه ليس كتاب دينٍ فحسب، بل مشروع حضارة، ومرجع قيمٍ أبدية. ولذلك فإن دراسته ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم الذات الإسلامية والإنسانية معًا.
ومن هنا، فإن النبأ العظيم لا يُقدّم مجرد حججٍ للدفاع عن القرآن، بل يضع القارئ أمام تجربة الوعي بالوحي، ويُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وكلمة الله، لتبقى تلك الكلمة — كما وصفها المؤلف — كلمة الله الحيّة التي لا تموت.



