![]()
البعث والنشور.. أدلة راسخة في مواجهة الإنكار
قراءة في كتاب "أدلة البعث والنشور" للدكتور سعيد بن مسفر القحطاني
- المصدر: مدار الوطن للنشر
البعث والنشور.. أدلة راسخة في مواجهة الإنكار
قراءة في كتاب "أدلة البعث والنشور" للدكتور سعيد بن مسفر القحطاني
- أبحاث
في هذا البحث يطلّ علينا الشيخ الدكتور سعيد بن مسفر القحطاني بعمل علمي رصين، يُعيد فيه توطيد ركنٍ من أركان الإيمان الستة التي لا يقوم البناء العقدي إلا بها. كتابه «أدلة البعث والنشور» رسالةٌ موجّهة إلى العقل قبل القلب، تُقدّم الأدلة والبراهين بأسلوب يجمع بين رسوخ العالِم وبلاغة الداعية، في مواجهة صريحة مع من يُماري في حقيقة الحياة الآخرة أو ينكرها جملةً وتفصيلاً.
يؤكد المؤلف منذ المقدمة أن الإيمان بالبعث بعد الموت ركيزة أخلاقية وحضارية تُنظّم سلوك الإنسان وتمنحه الغاية والمعنى. ومن يفتقر إلى هذه العقيدة يعيش في ضلالٍ بعيد، إذ يسير بلا بوصلة في متاهات الحياة، كما وصف القرآن الكريم المُنكِرين بأنهم في ضلالٍ مبين.
المُنكِرون.. أصناف وصور
يُصنّف المؤلف المُنكِرين للبعث في ثلاثة أصناف متمايزة: أولها الملاحدة الذين ينفون وجود الله أصلاً، ويرون في الحياة مادةً صماء لا روح فيها ولا غاية. وثانيها أولئك الذين يُقرّون بوجود الله خالقاً للسماوات والأرض، لكنهم يدّعون أن قدرته قاصرة عن إعادة الخلق بعد الموت، وهو تناقض صريح يُفنّده المؤلف بالمنطق والنص معاً. أما الصنف الثالث، فهم من يؤمنون بالبعث لكن على صورة مغايرة لما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية، فيدخلون في حكم المكذّبين من حيث لا يشعرون.
ولا يكتفي الكتاب بتصنيف هؤلاء، بل يرسم مآلهم يوم القيامة بصورة مؤثرة، مستنيراً بآيات سورة الرعد والأنعام وسواهما، ليُبيّن أن يوم الحساب لن يكون موضع جدل أو إنكار، إذ سيواجه المُنكِرون بما كذّبوا به عياناً بياناً، ليقولوا: «بلى وربنا».
الأدلة القرآنية.. بناء محكم من اثني عشر دليلاً
يُفرد المؤلف الجزء الأكبر من كتابه لعرض اثني عشر دليلاً قرآنياً على وقوع البعث والنشور، مُرتّبةً ترتيباً منطقياً متدرجاً من الأيسر إلى الأعمق. يبدأ بخبر الله تعالى ذاته، إذ لا أصدق من الله قيلاً، ثم يصعد إلى قسمه سبحانه على وقوع البعث، مستحضراً آيات الذاريات والطور والنساء، ليُثبت أن الله الذي لا يكذب قد أكّد هذا الوعد بكل أساليب التوكيد المتاحة في اللغة العربية.
ثم ينتقل إلى دليل النشأة الأولى، فيتساءل: كيف يستبعد العقل الإعادة وهو يشهد الخلق من العدم كل يوم؟ ويُعمّق هذا الدليل بالحديث عن أطوار الجنين في بطن أمه، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام تُكسى لحماً، في منظومة بديعة تشهد على عظمة الخالق وقدرته على الإعادة. ويُضاف إلى ذلك دليل إحياء الأرض بعد موتها، الذي يُجسّده المؤلف في مشهد المطر والنبات، ودليل إحياء الأموات الذي وقع فعلاً في أمم سابقة، مما يجعل البعث ممكناً مشهوداً لا مجرد أمنية غيبية.
العدل الإلهي.. حجة الحجج
يبلغ الكتاب ذروته الفكرية حين يستند إلى دليل العدل الإلهي دليلاً مستقلاً ومقنعاً بذاته، إذ يطرح المؤلف سؤالاً مقلقاً ومشروعاً: أيعقل أن يموت الصالح والطالح على حدٍّ سواء دون حساب؟ أيُسوَّى بين من أفنى حياته في طاعة الله وبناء الحضارة وبين من أمضاها في الإفساد والإجرام؟ هذا ما ترفضه الفطرة السليمة والعقل الرشيد في آنٍ معاً.
ويستشهد المؤلف بآيات سورة القلم والجاثية وص، التي تستنكر هذا التسوية بصيغة الاستفهام الإنكاري المُعبِّر، ليُؤكد أن من مقتضيات الألوهية الكاملة أن تكون ثمة دار للجزاء، يُوفَّى فيها كل نفسٍ ما عملت، لا يُظلم فيها أحد.
تنتهي الرسالة الرئيسية من الكتاب بتأكيد أن هذه الأدلة ليست معلومات تُحفظ، بل هي حقائق تُعاش وتُترجَم سلوكاً. فالمؤمن حقاً بالبعث هو من يُحجم عن المعصية خشية الحساب، ويُقدم على الطاعة رجاء الثواب، لا من يكتفي بالإقرار اللفظي بينما تُكذّب أفعاله كلامه. ويختم المؤلف بدعاء صادق أن يرزق الله المؤمنين إيماناً راسخاً يُثبّتهم حتى لقاء الله.
ويُلحق المؤلف كتابه بمسائل فقهية وتربوية عملية، تتضمن أجوبة عن أسئلة جوهرية تمسّ واقع المسلم اليومي، مما يجعل الكتاب وثيق الصلة بالحياة لا منفصلاً عنها في برج عاجي. فهو بذلك عمل يجمع بين الإقناع العقلي والتوجيه العملي والأثر الروحي، في نسيجٍ متماسك يُعلي من قيمة الإيمان ويُجدد فيه.
أدلة البعث والنشور
- كلمات مفتاحية | البعث, النشور, سعيد بن مسفر القحطاني



