![]()
جمادى الآخرة.. شهر الصبر والنساء الصالحات
محمد الشرشابي
جمادى الآخرة.. شهر الصبر والنساء الصالحات
يأتي جمادى الآخرة بعد توأمه جمادى الأولى، كصفحة جديدة في سجل الزمان، ينساب على الأمة في سكونٍ مهيب كنسمةٍ ربيعية تعقب برد الشتاء. و«جمادى الآخرة» – أو «جمادى الثانية» – سُمّي بذلك لأن العرب كانوا يسمّون الشهور في أزمانٍ توافق أحوال الطبيعة، فكان الماء يجمد في جمادى الأولى ويذوب في التي تليها، فكأنما هو شهر الذوبان بعد الجمود، واللين بعد القسوة.
ولم يرد في فضل هذا الشهر نصٌّ خاص، غير أن فضله يُستمد من الأحداث الجليلة التي زخرت بها أيامه، ومن الذكريات التي طبعت وجدان الأمة بطابع الخلود. ففي هذا الشهر من السنة الحادية عشرة للهجرة فقدت الأمة الزهراء فاطمة بنت محمد ﷺ، سيدة نساء العالمين وبضعة المصطفى، التي مثّلت نموذج الطهر والعفة واليقين، فكانت وفاتها ذكرى تُعيد للمؤمنين معنى الصبر الجميل والرضا بقضاء الله.
وفي جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة وقعت معركة اليرموك، تلك الملحمة التي حطمت جيوش الروم وأثبتت أن الإيمان إذا سكن القلوب غلب السيوف والدروع. ارتفعت فيها رايات خالد بن الوليد رضي الله عنه، ودوّت فيها صيحات المجاهدين التي غيّرت وجه التاريخ. كما يُذكر أن في هذا الشهر أيضًا تمت بيعة أبي بكر الصديق على الخلافة في بعض الروايات، إيذانًا بمرحلة جديدة من الثبات والاتحاد بعد رحيل النبي ﷺ.
ويمتاز جمادى الآخرة في الوجدان الإسلامي بكونه رمزًا للثبات بعد الحزن، والنهوض بعد الانكسار، ففيه تتجدد دروس الصبر على البلاء والإخلاص في العمل. هو شهر يُذكّر بأنّ للأنثى المسلمة مكانتها الخالدة، من سيدة نساء العالمين فاطمة، إلى نساءٍ مؤمناتٍ صبرن على الدعوة والجهاد والعطاء.
إنه شهر التأمل في سيرة الطاهرات والمجاهدين، شهرٌ يذكّرنا أن مجد الأمة لا يقوم إلا على الإيمان والصبر والوفاء، وأن صفحات التاريخ لا تخلّد إلا من صدقوا الله في نياتهم ومواقفهم.
- كلمات مفتاحية | أبي بكر الصديق, التاريخ الإسلامي, الثبات, الشهور الهجرية, الصبر, النساء الصالحات, اليرموك, جمادى الآخرة, خالد بن الوليد, فاطمة الزهراء



