![]()
وجوه القنوط واليأس: معنى كلمة “مبلسون” في التعبير القرآني
تُعدّ كلمة “مبلسون” من الألفاظ القرآنية العميقة الدلالة، التي تحمل في طيّاتها مزيجًا من الحزن والدهشة واليأس، وتُستخدم لوصف حالةٍ نفسيةٍ خاصة تعتري الإنسان حين يُغلق أمامه باب الرجاء بعد طول أمل.
الجذر اللغوي والاشتقاق
كلمة مبلسون مأخوذة من الجذر (ب ل س)، وهو أصلٌ يدلّ على السكوت والحيرة واليأس. يقال: أبلس الرجل إذا سكت من شدة الحزن أو انقطع رجاؤه، ومنه سُمِّي إبليس بهذا الاسم لأنه أبلس من رحمة الله، أي قنط منها ويئس. فـ”مبلسون” جمع مبلس، وهو من نزلت به الكآبة وسكت عن الكلام لعجزه عن الدفاع أو الحجة أو الرجاء.
مواضع ورود الكلمة في القرآن الكريم
وردت كلمة “مبلسون” في مواضع متعددة، كلها تصوّر حال المكذّبين حين تنكشف لهم الحقيقة أو تحلّ بهم العقوبة. قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]
وهنا يرسم القرآن مشهدًا بليغًا: فرح زائف يعقبه انقطاع أملٍ مفاجئ، وصمتٌ ثقيل يدل على الهلاك المحقّق.
كما قال سبحانه في موضع آخر:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: 12]
أي يصيبهم الذهول واليأس، فلا يجدون عذرًا ولا مخرجًا.
المعنى الدقيق في السياق القرآني
“الإبلاس” ليس مجرد يأسٍ عابر، بل هو يأسٌ تامّ يُسكت صاحبه ويجمّد لسانه، فلا يملك دعاءً ولا رجاءً. ولذلك استخدمه القرآن لوصف لحظة الانهيار النفسي للمجرمين حين يواجهون عاقبة تكذيبهم، فيتلاشى عنادهم ويذوب غرورهم.
الإيحاء البلاغي في الكلمة
تتميز كلمة “مبلسون” بإيقاعها القوي وحروفها الغليظة (الميم والباء واللام والسين)، التي تُحدث أثرًا سمعيًّا يوحي بالصمت الكئيب والخذلان الكامل. فهي ليست كلمةً تصف فعلاً ماديًّا، بل تُجسّد حالةً روحيةً من الانقطاع والجمود أمام قدر الله.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإبلاس في القرآن, تفسير قوله فإذا هم مبلسون, مبلسون



