![]()
مصعب بن عمير.. داعية النور وسفير الإسلام الأول
كان مصعب بن عمير — رضي الله عنه — من أولئك الذين بدّل الإسلامُ وجوهَ حياتهم، فحوّل نعيمَ الدنيا فيهم إلى يقينٍ بالآخرة، وبدّل الزهوَ والترفَ فيهم إلى زهدٍ وعزيمة. كان فتى مكة المدلّل، أنيقَ الملبس، عطرَ المجلس، لا يمرّ في طريقٍ إلا فاح شذاه. غير أن القدر خبّأ له مجدًا أعظم من نعيم الأقمشة والعطور: مجدَ الإيمان والرسالة.
فتى النعيم الذي اختاره الله للهداية
نشأ مصعب في بيتٍ من بيوت الثراء والنعيم، وكانت أمه من أعتى نساء قريش بأسًا وغنى. غير أن قلب الفتى كان طاهرًا ميّالًا إلى الحق، فما إن سمع بدعوة النبي ﷺ حتى مضى إلى دار الأرقم، حيث أنار الله بصيرته فأسلم في خفية، خوفًا من بطش أهله. ولما علمت أمه بإسلامه، حبسته ومنعت عنه كل نعيم، لكنه ثبت على دينه ثابت الجبل، يرضى بكسرة خبزٍ في سبيل الله ولا يرضى بالرجوع إلى كفرٍ بعد إيمان.
أول سفير للإسلام إلى المدينة
كان النبي ﷺ بصيرًا بقدرات الرجال، فأرسل مصعبًا إلى يثرب ليكون أول سفيرٍ في تاريخ الدعوة. وهناك، في المدينة، تحوّل الفتى الرقيق إلى داعيةٍ صبورٍ حليمٍ، فدخل الناس على يديه في دين الله أفواجًا، وكان من بينهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، سيدا الأوس، اللذان غيّرا وجه المدينة إلى الأبد. لقد أسّس مصعب لبنات الدولة الإسلامية قبل أن تُهاجر إليها القيادة النبوية.
فارس أحد الذي باع الدنيا بالآخرة
وحين دقّ النفير في غزوة أحد، كان مصعب حاملَ لواء الإسلام. قاتل بشجاعةٍ لا تُجارى، وهو يردّد: “وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل”. فلما قُتل، لم يجد الصحابة ما يكفّنونه به إلا ثوبًا قصيرًا؛ إن غطوا به رأسه بدا قدماه، وإن غطوا قدميه بدا رأسه. عندها بكى النبي ﷺ وقال: “لقد رأيتك بمكة، وما بها أحدٌ أنعم عيشًا منك، ثم أنت اليوم عفير في بردة.”
من النعيم إلى الخلود
هكذا انتهت حياة مصعب بن عمير — الشاب الذي تخلّى عن كل زينةٍ في سبيل عقيدته — لكنه ترك وراءه أثرًا خالدًا في قلوب المؤمنين، فقد علّم الأمة أن الإيمان لا يكتمل إلا بالتضحية، وأن النور لا يُنقل إلا على أكتاف الصادقين. سيبقى اسمه يسطع في سجل الدعوة الإسلامية كرمزٍ للصدق، والسبق، والثبات على المبدأ.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسلام في مكة, الصحابة, غزوة أحد, مصعب بن عمير



