![]()
مشية النور.. حين سعدت الأرض بخطى النبي ﷺ
إذا ذُكر الجمال في أبهى معانيه، والكمال في أسمى صوره، فإنما يذكر فيه سيد الخلق ﷺ، الذي تجمعت فيه محاسن الخَلق والخُلق. ولئن كان الحديث عن قسمات وجهه وطيب ريحه قد أسر القلوب على مر القرون، فإن وصف مشيته الشريفة يحمل في طياته سرًّا آخر من أسرار النبوة؛ إذ كانت خطواته على الأرض دروسًا في الهيبة والوقار، ودلالات على التوازن والاعتدال، كأنما تجسدت الأخلاق في حركة، وانسكب النور في خطى.
لقد نقلت كتب الشمائل والسير أوصافًا دقيقة لمشيته ﷺ؛ فقد كان إذا مشى لا يميل في خطواته كالمتكبرين، ولا يجر رجليه جَرًّا كالمتهاونين، بل كان يمشي مشيًا وسطًا متزنًا، فيه قوة بلا عنف، ولين بلا ضعف. قيل عنه: “كان إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب“، أي كأنما ينحدر من مكان عالٍ، في مشية تدل على عزيمة وجدّ، وعلى استقامة في الحركة والوجهة.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا سار أسرع شيئًا، لا يزحف زحفًا ولا يتباطأ، بل يقطع الأرض بخطى ثابتة متقاربة، يرفع قدميه رفعًا تامًا، كأنما الأرض تطوى له طيًا، وقد وصفه الصحابة بأنه “إذا مشى كأن الأرض تُطوى له“، دلالة على سرعة مقترنة بوقار، وسعي يحمل في طياته بركة العزم.
أما سمت وجهه الشريف في مشيته، فقد كان مطأطئ الرأس، لا يرفع بصره في مشيته إلى الأعالي تكبرًا، ولا يُسدل جفنيه إلى الأرض انكسارًا، بل كان نظره معتدلًا، أكثره إلى موضع قدميه، في دلالة على التواضع، ومع ذلك كان يلتفت إلى أصحابه إذا مرّ بهم، فيجمع بين حضور القلب ولطف المعاملة.
وكان إذا خرج مع أصحابه، يمشي بينهم، لا يتقدمهم تكبرًا، ولا يتأخر عنهم عزلة، بل يشاركهم الخطى ويخالطهم الحديث، حتى لا يتميز عنهم إلا بضياء وجهه وبهاء هيبته. ومما أثر عنه ﷺ أنه إذا مشى مع أحد لم يسبقه صاحبه، كأنما خطاه الشريفة تهدي وتؤنس، فيصير الطريق ميدان أنس ورحمة.
وفي وصف مشيته ﷺ تتجلى معانٍ تربوية عظيمة: فهي مشية تدعو إلى الجدّ وترك الكسل، وإلى التواضع ونبذ الكبر، وإلى التوازن بين السرعة والوقار. ولذا فإن التأسي بمشيته ليس مجرد محاكاة لحركة جسد، بل هو اقتداء بسلوك حياة، يستلهم منه المؤمن معنى الاعتدال في شؤونه، والعزم في مسيره، والتواضع في دنياه.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | سيرة الرسول, شمائل الرسول, مشية النبي



