غزوة خيبر.. درس في التوجية الروحي والعسكري

بعد صلح الحديبية، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على تصفية الخطر الذي يمثله اليهود، وتحديدًا في خيبر، التي كانت تعتبر آخر معقل لهم، وتبعد عن المدينة المنورة مسافة 180 كيلو مترًا....
القادسية.. واحدة من الملاحم الكبرى في تاريخ الإسلام

غزوة خيبر.. درس في التوجية الروحي والعسكري

بعد صلح الحديبية، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على تصفية الخطر الذي يمثله اليهود، وتحديدًا في خيبر، التي كانت تعتبر آخر معقل لهم، وتبعد عن المدينة المنورة مسافة 180 كيلو مترًا.
وفي شهر المحرم من العام السابع من الهجرة، خرج الجيش الإسلامي بقيادة النبيفي رحلة مليئة بالثبات والإيمان رغم قوة الحصون اليهودية، ومناعة مواقعهم العسكرية.
وأثناء سيرهم إلى خيبر، كان المسلمون يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فطلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخففوا من صوتهم قائلاً: “أيها الناس! تدعون سميعاً قريباً وهو معكم” (رواه البخاري)، موضحًا لهم أن الله يسمعهم ولا حاجة لرفع الصوت. وعندما وصل المسلمون إلى خيبر في الليل، استقبلتهم الجيوش اليهودية بحذر. فعندما رآهم اليهود قالوا: “محمد والله، محمد والخميس”، في إشارة إلى الجيش الذي يرافقه. فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم: “الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين” (رواه البخاري).

فتح الحصون ومعركة الإرادة

وبدأ المسلمون في فتح حصون خيبر، وكان أولها حصن ناعم الذي واجه صعوبات شديدة في فتحه، واستغرق عشرة أيام.
وشهد الحصار استشهاد الصحابي محمود بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه. وبعد أن فشل أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فتح الحصن، دعا النبي صلى الله عليه وسلم للفتوح قائلاً: “سأعطي الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يُفتح له”. وعندما أُعطيت الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في اليوم الثالث، تحقق الفتح على يديه.
وشهدت غزوة خيبر، العديد من الدلائل والمعجزات التي أيدت نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم. من أبرز هذه المعجزات، إخبار النبي بموت الصحابي عامر بن الأكوع رضي الله عنه. في إحدى اللحظات، كان الصحابة في سفر إلى خيبر، فقال عامر بن الأكوع رضي الله عنه شعراً حادًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من هذا السائق؟” وعندما أُخبر أنه عامر بن الأكوع، قال صلى الله عليه وسلم: “يرحمه الله”. ورغم معرفة الصحابة بتنبؤ النبي باستشهاده، إلا أنهم كانوا يودون أن يظل معهم أطول وقت ممكن.
واستشهد عامر بن الأكوع في معركة خيبر، وقد كان الصحابة يعلمون أنه إذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم لشخص بالمغفرة، فذلك يعني أن هذا الشخص سيستشهد قريبًا. وعندما سمع الصحابي سلمة بن الأكوع رضي الله عنه شكوكًا حول استشهاد أخيه، طمأنهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: “مات جاهداً مجاهداً، فله أجره مرتين” (رواه مسلم).
وتُظهر غزوة خيبر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقود الأمة ليس فقط بالقتال ولكن أيضًا بالتوجيه الروحي. فقد تعلم المسلمون من هذه الغزوة عدة دروس أهمها:أهمية التوكل على الله والتفاؤل في الأوقات الصعبة، وأهمية التضحية بالنفس في سبيل الله، وكيفية التعامل مع الشكوك والصعوبات في المعركة.
وتظل غزوة خيبر وما شهدته من أحداث ومعجزات شاهدة على قوة إيمان الصحابة وتضحياتهم، وتثبت مرة أخرى صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
"ذو مرة فاستوى".. وصف جبريل بين القوة وكمال الهيئة
يأتي قوله تعالى في سورة النجم: "ذو مرة فاستوى" في سياق وصف جبريل عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي نزل...
المزيد »
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك