![]()
عبد الرحمن بن عوف.. التاجر الزاهد وصاحب المال المبارك
عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان من الداعين الأوائل إلى كلمة التوحيد في مكة حين كانت الدعوة غريبة مستضعفة. شهد الهجرة إلى المدينة، وشهد بدراً وسائر المشاهد مع النبي ﷺ، وكان من العشرة الذين بشّرهم النبي بالجنة، ومن الستة الذين جعل عمرُ الشورى فيهم لاختيار الخليفة بعده.
كان عبد الرحمن مثالًا للمؤمن الكامل الذي جمع بين الغنى والزهد، وبين التجارة والعمل الصالح، فصار اسمه عنوانًا للبركة التي تحلّ بالمال حين يطهّره الإيمان.
ثراء لم يفسد القلب
عرف رضي الله عنه بذكائه في التجارة، حتى قيل: “لو رفع حجرًا لوجد تحتَه ذهبًا”، غير أن ثراءه لم يكن بابًا للطغيان، بل سبيلًا إلى الإنفاق والبذل. حين هاجر إلى المدينة، آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه نصف ماله، فشكر له وقال كلمته المشهورة: «بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دلّني على السوق».
كانت تلك البداية التي رسمت ملامح شخصيته العملية؛ فهو لا يعيش عالة على أحد، ولا يطلب الكسب إلا بالحلال الطيب.
مال في خدمة الدين
أنفق عبد الرحمن في سبيل الله إنفاق الموقن بأن المال أمانة لا مُلكًا. جهّز جيش العسرة بألفي دينار، وتصدّق في حياته بخمسين ألف دينار، وقال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ذهب أهل الأموال بالأجر كله، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون من فضول أموالهم».
وكان من كبار الممولين لدولة الإسلام الناشئة، يسدّ حاجة الفقراء، ويواسي الضعفاء، ويغيث الملهوفين في المدينة.
بين الزهد والتواضع
مع غناه الكبير، عاش عبد الرحمن عيشة الزاهدين. كان يكره المباهاة، ويقول: «ابتُلينا بالضراء فصبرنا، وابتُلينا بالسراء فلم نصبر».
وحين مات، بكى عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال: «رحمك الله يا عبد الرحمن، كنت آمنَ أهل المدينة على أهلها».
لقد أدرك أن المال لا قيمة له إن لم يكن طريقًا إلى مرضاة الله، فكان يعطي بسخاء، ويستحيي أن يُرى ممسكًا عن العطاء، حتى قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كان عبد الرحمن يدخل علينا فيطعمنا أطيب الطعام، فإذا خرج بكينا من خوف الله لما نرى من زهده مع سعة ماله».
بصمته في التاريخ
تميّز عبد الرحمن بن عوف بالحكمة والروية، وكان موضع ثقة الخلفاء. وحين طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جعل الشورى في ستة من كبار الصحابة، وجعل لعبد الرحمن الكلمة الفصل في الترجيح، لثقته في دينه وعدالته.
فاختار عبد الرحمن عثمانَ بن عفان للخلافة بعد استشارة الأمة، وضرب بذلك أروع مثال في الإخلاص والتجرّد عن الهوى.
عبق الختام
رحل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في المدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، وترك وراءه سيرةً مضيئة عنوانها الإيمان والكرم والنزاهة. كان نموذجًا فريدًا لرجل جمع بين الغنى والتقوى، وبين نعيم الدنيا وزهد القلب، فأثبت أن المال إذا صُحب بالإيمان صار قوةً للخير لا بابًا للغواية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإنفاق في سبيل الله, العشرة المبشرون بالجنة, عبد الرحمن بن عوف, مناقب



