روايتا حفص وورش.. ملامح الاختلاف وروعة التنوع في التلاوة

يُعَدُّ علم القراءات من العلوم الشريفة التي تعتني بحفظ كتاب الله تعالى أداءً ونطقًا كما أنزل، ومن أبرز رواياته رواية حفص عن عاصم ورواية ورش عن نافع، واللتان انتشرتا في أرجاء العالم الإسلامي. ورغم أن...
روايتا حفص وورش.. ملامح الاختلاف وروعة التنوع في التلاوة

روايتا حفص وورش.. ملامح الاختلاف وروعة التنوع في التلاوة

يُعَدُّ علم القراءات من العلوم الشريفة التي تعتني بحفظ كتاب الله تعالى أداءً ونطقًا كما أنزل، ومن أبرز رواياته رواية حفص عن عاصم ورواية ورش عن نافع، واللتان انتشرتا في أرجاء العالم الإسلامي. ورغم أن النص القرآني واحد لا يتغير، فإن أسلوب الأداء يختلف بينهما في بعض المواضع من حيث المدود، والهمز، والإمالة، والنطق ببعض الحروف، مما يثري جمال التلاوة ويُظهر إعجاز التنزيل. إن التعرف على هذه الفروق يُعين القارئ على الإتقان، ويعمّق فهمه لتراث القراءات المتنوع الذي حُفظ بالتواتر جيلاً بعد جيل.
ويمكن إيجاز هذه الفروق في التالي:
1-باب الهمز: في رواية ورش لا تهمز الكلمات مثل كلمة الارض وفي رواية حفص تهمز (الأرض)

2- باب الياء التي بعدها همزة قطعٍ مفتوحة: فورش يقرؤها بالفتح، مثل قول الله تعالى: (وقال ربِّ أوزعنيَ أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ)،أما حفص فيقرؤها بالتسكين (أوزعنيْ أن أشكر).

أما الياء التي بعدها همزة قطعٍ مكسورة: فإن ورشا يقرؤها بالفتح مثل قول الله تعالى: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتيَ إنَّ ربِّي لطيفٌ لما يشاء إنَّه هو العليم الحكيم)، وقرأها حفصٌ بالتسكين (وبين إخوتيْ إنَّ ربِّي)…

3- هاء الكناية: المراد بهاء الكناية عند القراء الهاء الدالة على المفرد المذكر الغائب نحو له وبه وفيه ومنه وكتبه ورسله واجتباه وهداه وخذوه فغلوه، وهي إما أن تتوسط بين حركتين، وإما بين ساكنين، وإما أن يتقدمها ساكن أو يتأخر عنها.

وأصل ورش فيها في التلاوة المغربية أنها إذا توسطت بين حركتين وصلها بواو في حالة الضم، وبياء في حالة الجر، وذلك نحو (إنه على رجعهِ لقادر يوم تبلى السائر فما لهُ من قوة ولا ناصر)
أما إذا جاء بعدها حرف ساكن فإن حفصا وورشا -ومعظم القراء- يحذفون الصلة، فلا تُمدُّ الهاء مدًّا طبيعيًّا إذ التقاؤها بالحرف الساكن يمنعها من المدّ، مثل قول الله تعالى: (يعلمهُ الله)، و(عليهُ الله)، إلا في حالةٍ واحدةٍ عند حفص -ويوافقه فيها من القراء ابن كثير- وهي قول الله تعالى: (ويخلد فيهِ مهانا)، فقد قرأها حفص بالوصل، وهي بحذف الصلة عند ورش.

ـ4- المـد: هو امتداد الصوت بالحرف بالزيادة فيه لموجب اقتضى مده، وضده القصر، وهو حبس الصوت عن الامتداد. مثاله، في قول الله تعالى: (مالك يوم الدين)، قرأها حفصٌ بإثبات المدِّ (مالك، وقرأها ورش (ملك) بدون مدّ. ويختص المد بحروف ثلاثة تسمى “حروف المد واللين”، وهي الألف الساكنة، والياء المكسورة ما قبلها والواو المضموم ما قبلها .

وقد قيل عن ورش من بين سائر القراء إنه كان “يحب المد”، وإنما جاءت محبته للمد نتيجة لطريقته المفضلة في الأداء القائمة على أخذه في روايته بطريقة “التحقيق”. لذلك نجد له فيه خصوصيات انفرد بها أو انفرد على الأقل بزيادة مقدارها في التمكين.

حتى أضحى التمسك بهذا الأصل في المد من مميزات هذه التلاوة المغربية، بل إننا نجده قد دخل في الاستعمال حتى في غير القراءة كما نجد مثلا فيما نسمعه في المساجد من التأمين خلف الإمام بصوت واحد بلفظ “ءامين” بمد الهمزة مدا قد يبلغ به الأكثرون مرتبة الإشباع، وكما نسمعه في د عاء الختم بقولهم: (ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) بمدات متساوية في المواضع الثلاثة، وقولهم “وعلى ءاله” بالتسوية بين المدتين.

يقوم ورش بروايته بمد المد المتصل والمنفصل مدا مطولا 6 حركات أي 3 ثوانٍ وجوبا كالمد اللازم المثقل وذلك على أحوال المد كلها سواء كان مد صلة كبرى أو صغرى أو ميم جمع مضمومة بعدها همزة قطع وأما المد الطبيعي فيمده بمقدار حركتين أي ثانية واحدة فقط
يمد ورش كلمة أنا مقدار 6 حركات أي 3 ثوانٍ وجوبا اذا وقع بعدها همز مفتوح مثل قوله تعالى في سورة يوسف “أنا أخوك” أو همز مضموم مثل قوله تعالى أيضا في سورة يوسف “أنا أنبئكم” ولا يمدها اذا وقع بعدها همز مكسور أو حرف متحرك مثل “أنا إلا” لا تمد وايضا “أنا خير منه” لا تمد.

5- ميم الجمع: هي الميم الزائدة على أصل الكلمة للدلالة على جمع الذكور نحو بهم وعليكم وأنتم وخلقكم ودعاءكم ويراد بها في اصطلاح القراء وأهل العربية الميم المتطرفة لا الواقعة حشوا وسط الكلمة مما يفيد الجمع أيضا نحو “واتخذتموه” و”قدمتموه لنا” و”إذ اعتزلتموهم” ـ الميم الأولى ـ و”أنلزمكموها” الميم الثانيةـ.

وأصل ورش فيها الإسكان كسائر من يقرأ به في الوصل والوقف من القراء، وذلك عنده ما لم تلق همزة قطع أو همزة وصل، فإن لقيت همزة قطع نحو “عليهم ءانذرتهم أم لم” ومنهم أميون” و”فزادتهم إيمانا” فإن ورشا يضمها ويصلها بواو ويمدها لأجل الهمزة.

وقد أشار أبو علي الفارسي في الجحة إلى انفراد ورش بهذا الأصل عن سائر القراء السبعة والرواة عنهم فقال: فأما ما انفرد به ورش في روايته عن نافع من أن الهاء مكسورة والميم موقوفة، إلا أن تلقى الميم ألف أصيلة فعل “سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يومنون” فالقياس فيها إذا لقبت غيرها سواء. وكأنه أحب الأخذ باللغتين مثل “لا يألتكم” و”لا يلتكم”. ثم قال بعد توجيه روايته هذه ناقلا عن أبي الحسن يعني الأخفش إنما وقعت هذه القراءة بالمد ليفهموا المتعلمين فيمدوا الهمزة إذا كانت قبلها ألف أو واو نحو “حتى إذا” ونحو “قالوا ءانت” قال: والعرب تفعل هذا في حال التطريب وإذا أراد أحدهم الرقة والترتيل” .

6- النون الساكنة والتنوين: النون حرف من حروف الهجاء “تخرج من المخرج السادس من مخارج الفم فوق اللام قليلا أو تحتها قليلا على الاختلاف في ذلك”، والنون التي تتعلق بها أحكام هذا الباب هي النون الساكنة، وتقع وسطا وطرفا. والتنوين نون مزيدة ساكنة تلحق أواخر الأسماء، “وسموها تنوينا ليفرقوا بينها وبين النون الزائدة المتحركة التي تكون في التثنية والجمع” . مثل قول الله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) قرأها ورشٌ عند الوصل بإظهار النون، وقرأها حفصٌ عند الوصل بالإدغام.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
"ذو مرة فاستوى".. وصف جبريل بين القوة وكمال الهيئة
يأتي قوله تعالى في سورة النجم: "ذو مرة فاستوى" في سياق وصف جبريل عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي نزل...
المزيد »
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك