![]()
رسائل النور.. كتاب النبي إلى المقوقس ودلالاته
كانت لحظة فارقة في تاريخ الدعوة، حين خرج نور الإسلام من حدود الجزيرة ليلامس آفاق العالم، حيث حملت رياح رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كلماتٍ لم تكن مجرد أحرف على رقعة من رقاع الجلد، بل كانت إشارات هداية ونداءات رحمة، تخاطب القلوب قبل العقول. لم تكن رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء مجرد مكاتبات دبلوماسية تقليدية، بل كانت جسرًا بين السماء والأرض، تنقل للناس دعوة التوحيد وتعلن ميلاد أمة جديدة، رسالةً تحمل في طياتها سلامًا وعدلًا، وتدعو إلى كلمة سواء بين البشر جميعًا. ومن بين هذه الرسائل البليغة تبرز رسالته صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، عظيم القبط وحاكم مصر، بما حملته من معانٍ ودلالات تاريخية عميقة.
الرسالة النبوية إلى مصر
في العام الثامن للهجرة، بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالة إلى جُرَيْج بن مَتَّى، المعروف بالمقوقس عظيم القبط وحاكم مصر والإسكندرية، يدعوه فيها إلى الدخول في الإسلام. وقد جاءت هذه الرسالة ضمن سلسلة المكاتبات النبوية إلى ملوك الأرض ورؤسائها، إبلاغًا برسالة الإسلام ودعوةً إلى التوحيد. وجاء فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط. “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا.)”
لقاء حاطب بالمقوقس
اختار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ليحمل الرسالة إلى مصر. وحين مثُل بين يدي المقوقس، شرح له دعوة الإسلام ومكانة النبي محمد ﷺ في سلسلة الرسالات، مؤكداً أن رسالته امتداد لما جاء به موسى وعيسى عليهما السلام. استمع المقوقس باهتمام، وأجاب بكلمات متزنة تعكس حذره، قائلاً: “إن لنا دينًا لن ندعه إلا لما هو خير منه.” وقد أبدى رغبة في التفكير مليًّا قبل اتخاذ موقف نهائي.
رد المقوقس وما حمله من هدايا
بعد أن تأمل المقوقس الرسالة، بعث بردّ ودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، جاء فيه:
“بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه. علمت أن نبيًا قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط وبكسوة، وأهديت بغلة تركبها، والسلام عليك.”
وكانت الهدايا جاريتين هما مارية القبطية وسيرين، إضافة إلى البغلة “دلدل”. وقد صارت مارية فيما بعد سُرّية للنبي صلى الله عليه وسلم وأنجبت له ابنه إبراهيم، أما سيرين فكانت من نصيب حسان بن ثابت رضي الله عنه.
دلالات الرسالة
تحمل هذه المكاتبة النبوية جملة من الدلالات المهمة؛ فهي تكشف عن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، واحترامه للأديان السابقة وأهلها دون إكراه أو عنف. كما تعكس استراتيجية متكاملة للتواصل مع الملوك والرؤساء لتأمين الدولة الإسلامية الناشئة وتوسيع نطاق رسالتها خارج الجزيرة. أما رد المقوقس، وإن لم يتضمن إعلان الإسلام، فقد اتسم بالاحترام واللين، ما مهّد لاحقًا لبناء جسر من التعارف والتواصل بين الدولة الإسلامية ومصر، قبل أن تفتح على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | كتاب النبي إلى المقوقس, محمد صلى الله عليه وسلم



