![]()
حفظ النفس في الشريعة الإسلامية.. تكريم وصيانة
من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية وأجلِّ غاياتها: صيانة النفس الإنسانية وحمايتها، إذ هي أحد الضروريات الخمس التي اتفقت كلمة العلماء على أن حفظها أساس لقيام العمران وبقاء الحياة. فالشرع الحكيم لم يُنزَّل لتحقيق مصالح الآخرة فحسب، بل جاء ليقيم للإنسان توازنًا دقيقًا بين الدنيا والآخرة، وبين مطالب الروح واحتياجات الجسد، فيعيش المسلم حياةً عامرة بالعبادة والعمل، لا رهبانية فيها ولا انغماس مادي يُهدر الكرامة الإنسانية.
وقد أحاطت الشريعة النفس بسياج من التشريعات المحكمة، فجعلت حرمتها أعظم من حرمة الكعبة المشرفة، وأكدت على صيانتها من العدوان والظلم، مصداقًا لقوله تعالى: “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”، وقوله جل شأنه: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”. فتحريم القتل والانتحار ليس سوى مظهر من مظاهر تكريم النفس في الإسلام، التي لا يجوز إزهاقها بغير حق ولا امتهان كرامتها.
ولم يقتصر التشريع الإسلامي على النهي عن الاعتداء، بل وضع منظومة متكاملة من الأحكام تضمن تحقيق العدالة ومنع الفوضى، فجاءت أحكام القصاص لتكون رادعةً عن الإجرام، ومحققةً لمبدأ المساواة بين الجاني والمجني عليه، مع فتح باب العفو والصلح تحقيقًا للسلم المجتمعي. كما شُرِعت الديات والكفارات لتعويض الضرر وصيانة الحقوق، ومنع تحوّل الاعتداء إلى سلسلة لا تنتهي من الثأر والانتقام.
ثم إن مفهوم حفظ النفس في الإسلام يتجاوز حدود الحماية الجسدية إلى أبعاد أوسع تشمل حماية العقل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وضمان حق العيش الكريم. فالإسلام يحرِّم كل ما يؤدي إلى هلاك الإنسان بدنيًا أو نفسيًا أو معنويًا، سواء عبر الممارسات الضارة بالجسد كالمخدرات والانتحار، أو عبر الامتهان المعنوي الذي يُنقص من مكانة الإنسان وحقوقه.
وبذلك يظهر أن الشريعة الإسلامية قد كرَّمت النفس من جميع جوانبها، فجعلت حياتها مصونة، وكرامتها محفوظة، وحقوقها مكفولة، ضمن إطار تشريعي يوازن بين الرحمة والعدالة، ويحقق المقصد الأسمى من مقاصدها، وهو أن يعيش الإنسان آمنًا مطمئنًا، عبدًا لله مكرَّمًا بين الناس.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أهمية الفقه المقارن, الفقه الإسلامي, حفظ النفس, فقه المقاصد



