![]()
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم، غير أن المالكية في المشهور عندهم رأوا كراهة الدعاء في هذا الموضع. فقد جاء في مختصر خليل ذكر المكروهات ومنها الدعاء قبل القراءة، بينما أوضح منح الجليل أن الكراهة عندهم مبنية على عمل أهل المدينة الذين أدركهم الإمام مالك، إذ لم يكونوا يستفتحون الصلاة بالدعاء، بل يبدؤون مباشرة بالحمد لله رب العالمين. واستندوا كذلك إلى حديث أنس رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين”، وإلى حديث المسيء في صلاته الذي لم يرد فيه ذكر للاستفتاح.
ردود العلماء على أدلة المالكية
غير أن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ذهبوا إلى استحباب دعاء الاستفتاح، ولم يُعرف مخالف في ذلك إلا الإمام مالك. وقد أجاب النووي على أدلة المالكية، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء إنما علّمه الفرائض دون السنن، وأن حديث أبي هريرة الذي استدلوا به لا ينفي الاستفتاح، بل يوضح أن المراد بفتح القراءة هو البدء بالفاتحة قبل السورة، لا إسقاط الدعاء. كما أن حديث عائشة رضي الله عنها وغيره من الأحاديث الصحيحة المتواترة يثبت مشروعية الاستفتاح، وهي زيادة من ثقات مقدمة على النفي.
قيمة العمل وأثره في الترجيح
أما عمل أهل المدينة الذي اعتمد عليه المالكية، فقد ناقشه ابن رشد الحفيد، وهو من كبار فقهاء المالكية، حيث قال إن العمل يعد قرينة إذا وافق الخبر أفاد غلبة الظن، وإذا خالفه أضعف الظن، لكنه لا يبلغ في كل الأحوال درجة رد أخبار الآحاد الثابتة. وأكد أن أحاديث الاستفتاح بلغت من الشهرة والاستفاضة ما لا يمكن ردها بهذه القرينة وحدها، مما يجعل القول باستحباب الدعاء بعد التكبير هو الأرجح عند جمهور العلماء.
بين النصوص والفقه العملي
تظل المسألة شاهداً على اختلاف مناهج الفقهاء بين اعتماد النصوص الحديثية وبين الاستناد إلى عمل أهل المدينة، وهو اختلاف يعكس ثراء الفقه الإسلامي وتنوع مدارسه. فبين من يرى أن الدعاء بعد التكبير سنة مؤكدة، ومن يراه مكروهاً، يبقى النص النبوي هو المرجع الأعلى، وتبقى اجتهادات العلماء محاولات لفهمه في سياق العمل والواقع.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الاستفتاح, الدعاء, تكبيرة الإحرام



