الموت في القرآن..

سنة إلهية تخضع لحكمة دقيقة

حديث القرآن عن الموت يجمع بين طمأنة النفس و تزكية السلوك و إحياء الشعور بالمسؤولية، ويحضر الموت في القرآن الكريم حضورًا واسعًا، ليس بوصفه نهاية للحياة فحسب، بل بوصفه انتقالًا إلى مرحلة أخرى...
الموت في القرآن.. سنة إلهية تخضع لحكمة دقيقة

الموت في القرآن..

سنة إلهية تخضع لحكمة دقيقة

حديث القرآن عن الموت  يجمع بين طمأنة النفس و تزكية السلوك و إحياء الشعور بالمسؤولية، ويحضر الموت في القرآن الكريم حضورًا واسعًا، ليس بوصفه نهاية للحياة فحسب، بل بوصفه انتقالًا إلى مرحلة أخرى، وسنّة كونية تسري على الخلق جميعًا. ويقدم القرآن معالجة بديعة لهذا الموضوع عبر لطائف لغوية وعقائدية وتربوية تهدف إلى تحرير الإنسان من الخوف، وتذكيره بحقيقة وجوده، وربطه بالقيم الرفيعة والعمل الصالح.

الموت سنّة كونية لا يدفعها أحد

عموم الموت لجميع الخلق

يقرر القرآن حقيقة كلية:”كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ” (آل عمران: 185. واللّطيفة: جاءت كلمة ذائقة في صيغة اسم الفاعل للدلالة على أن الموت تجربة حتمية لكل حي، وأنها مذاق يمر على النفس لا العكس، أي أن الموت ليس فناءً بل عبورًا.

استحالة الفرار من الموت وهي في قوله:”أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ” النساء: 78.

اللّطيفة: قدّم أينما تكونوا ليؤكد شمول الإدراك، ثم جاء بالفعل يُدرِككم الذي يحمل معنى المطاردة واللحاق، ما يبيّن أن الأجل لا يتخلّف عن صاحبه.

الأجل مكتوب ومحدد لا يتقدم ولا يتأخر

توقيت دقيق محسوم وذلك في قوله:”وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ”. الأعراف: 34. واللّطيفة: جاء التعبير بلفظ ساعة أصغر وحدة زمنية عند العرب حينها، للدلالة على الدقة المطلقة في الموعد المقرر للوفاة.

الأجل ثابت لا يتغير

“لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ”. يونس: 49. فتكرار الآية في سور مختلفة يعمق معنى أن الأجل ليس قابلًا للمفاوضة أو التبديل.

كتابة الأجل عند الخلق الأول: وذلك في قوله “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ”. الأنعام: 2. اللّطيفة: ربط بداية الخلق بنهاية الأجل، إشارة إلى أن العمر مسافة محددة بين نقطة (الخلق) ونقطة (الموت).

الموت انتقال لا فناء

الموت حياة أخرى: في قوله “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”” آل عمران: 169. واللّطيفة: نفي الموت عن الشهداء مع أنهم “ماتوا” لغةً، يشير إلى أن الحياة الأخروية أقوى وأصدق من الحياة الدنيوية.

النوم نموذج مصغّر للموت: في قوله “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ” الزمر: 42. واللّطيفة: المنام وفاة صغرى، والموت وفاة كبرى، وفي ذلك تهيئة نفسية للإنسان لفهم حقيقة الرحيل.

الحكمة الإلهية في الموت

الموت جزء من الابتلاء: وذلك في قوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا “. الملك: 2.

اللطيفة: تقديم الموت على الحياة يلمح إلى، قدم الموت من الناحية الوجودية “العدم سابق على الوجود”، أو شدة الابتلاء بالموت مقارنة بابتلاءات الحياة.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
"ذو مرة فاستوى".. وصف جبريل بين القوة وكمال الهيئة
يأتي قوله تعالى في سورة النجم: "ذو مرة فاستوى" في سياق وصف جبريل عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي نزل...
المزيد »
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك