![]()
المجاز المرسل في قوله تعالى:”وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا”
المجاز المرسل في قوله تعالى:”وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا”
من اللطائف القرآنية التي تدهش القلوب وتوقظ العقول ما جاء في قوله تعالى:
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22].
هذه الآية الكريمة تُصوّر مشهدًا جليلًا من أهوال يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وقد انكشفت الحقائق وبرزت القدرة الإلهية في أبهى مظاهرها. لكنّ المتأمل في التعبير القرآني يجد أن قوله: «وجاء ربك» لا يُراد به المجيء الحسي الذي يليق بالمخلوقين، بل هو مجاز مرسل يُراد به ظهور أمر الله وقضاؤه وعدله وهيبته، إذ لا يحيط بكنه ذاته ولا يصف حركته أحد.
بلاغة المشهد القرآني
إنّ استعمال المجاز في هذا الموضع يرفع النص من مستوى الوصف المادي إلى مستوى التجلّي المعنوي، فيُشعر السامع بعظمة الموقف دون أن يجرّه إلى أوهام التشبيه أو التجسيم. فالمجيء هنا كناية عن حضور سلطان الله وجلال حكمه، تمامًا كما يُقال: “جاء الأمير” أي: جاء أمره وهيبته، لا جسده بالضرورة.
ولذلك، فإن التعبير القرآني لم يقل: “جاء أمر ربك” بل قال: «وجاء ربك»، ليدل على المباشرة والرهبة، وليجعل الموقف مفعمًا بالعظمة التي تليق بيوم يقوم فيه الخلق للحساب.
سرّ التكرار والتصوير
ثم أُتبع المشهد بقوله تعالى: «والملك صفًّا صفًّا»، وهو تصويرٌ بديعٌ لعظمة النظام السماوي يوم القيامة، حيث تصطف الملائكة صفوفًا متراصةً في خضوعٍ وهيبةٍ تامّة، كأنّ الكون كله قد انتظم في طاعةٍ واحدة أمام الجلال الإلهي. وهذا الترتيب البصري المهيب يزيد الموقف رهبةً في القلوب، وجلالًا في التصوّر.
لطيفة البيان
إنّ هذا المجاز المرسل في قوله: «وجاء ربك» يفتح بابًا من أبواب التنزيه والهيبة في آنٍ واحد؛ فهو ينزّه الخالق عن صفات الأجسام، ويعظّم سلطانه في النفوس. وهكذا يجمع القرآن بين العقيدة الصحيحة والبيان البليغ، فيعرض مشهد القيامة بلغةٍ ساميةٍ تُحرك القلب ولا تُضلّ الفكر.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إعجاز القرآن الكريم, سورة الفجر, لطائف القرآن, وجاء ربك



