![]()
“الخُنَّس”.. بيان قرآني معجز يوافق الاكتشافات الكونية
تجيء الآية الكريمة: “فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ” في سورة التكوير في سياق تصويري بالغ الدقة، يرسم مشاهد كونية مهيبة تستدعي التأمل والخشوع.
ولفظ “الخُنَّس” في اللسان العربي يحمل إيحاءً حركيًا خفيًا، إذ يدل على الانقباض بعد الظهور، أو التواري بعد البروز، وهو وصف يشي بحركة مترددة بين الحضور والغياب، وتتكامل هذه الدلالة مع “الجوار” التي تفيد الجريان والحركة، و”الكنس” التي تعبر عن الاستتار والانزواء، فتتشكل لوحة لغوية نابضة بالحياة، تجمع بين الحركة والخفاء في آن واحد، بما يعكس عمق البيان القرآني وقدرته على تصوير الظواهر الكونية بألفاظ موجزة ذات أبعاد متعددة.
التفسير المأثور عند السلف
اتجه جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين إلى تفسير “الخنس” بأنها النجوم السيارة المعروفة، وعلى رأسها الكواكب الخمسة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد. وقد نُقل هذا المعنى عن ابن عباس وقتادة وغيرهما، حيث رأوا أن هذه الأجرام تخنس، أي تغيب عن الأنظار في ضوء النهار، ثم تعود فتظهر في جنح الليل، فهي في حركة دائبة بين الظهور والاختفاء.
أما وصفها بـ”الكنس”، فقد فُسِّر بأنها تستتر في مجاريها ومنازلها، كما تأوي الظباء إلى كِناسها، في تصوير بديع يجمع بين المشهد الكوني والصورة البيئية المألوفة للعرب. ويكشف هذا التفسير عن حس لغوي دقيق، يربط بين الظاهرة المشاهدة والمعنى المستقر في الذهن العربي.
آفاق القراءة العلمية الحديثة
ومع تطور المعارف الفلكية، اتجه بعض الباحثين إلى استكشاف أبعاد جديدة للفظ “الخنس”، فرأوا فيه احتمال الإشارة إلى ظواهر كونية لم تكن معروفة زمن التنزيل، مثل الثقوب السوداء. فهذه الأجرام الهائلة تتسم بخصائص تتقاطع مع الدلالات اللغوية للآية؛ فهي “تخنس” بمعنى أنها لا تُرى مباشرة، إذ تبتلع الضوء فلا تعكسه، وهي “جوارٍ” بحكم حركتها في الفضاء ضمن أنظمة كونية معقدة، وهي “كنس” لأنها تجذب إليها كل ما يقترب من مجالها الجذبي، فتبدو كأنها تكنس محيطها من المادة والطاقة. وعلى الرغم من أن هذا التفسير يندرج ضمن باب الاجتهاد المعاصر، فإنه يعكس سعيًا لربط النص القرآني بآفاق العلم الحديث دون الجزم بحصر المعنى في مدلول واحد.
بين تعدد الدلالات ووحدة المقصد
إن تأمل هذه الآية يكشف عن سعة الدلالة القرآنية، التي تحتمل أكثر من مستوى من الفهم، دون أن تتعارض هذه المستويات أو تتنافى، فالقرآن يخاطب الإنسان في كل زمان، بلغة تستوعب معارفه وتدفعه إلى مزيد من الاكتشاف والتدبر.
وسواء أُخذت “الخنس” على ظاهرها في النجوم السيارة، أو نُظر إليها بوصفها إشارة إلى أجرام خفية في أعماق الكون، فإن المقصد الأسمى يظل واحدًا: لفت النظر إلى عظمة الخالق، وإحكام صنعه، ودقة النظام الذي يسير به هذا الكون الفسيح، حيث تتوارى أشياء عن الأبصار لكنها لا تغيب عن علم الله وتدبيره.



