![]()
التعبير بالمجاز العقلي في قصة الجدار.. إرادة الجماد ومعجزة البيان
التعبير بالمجاز العقلي في قصة الجدار.. إرادة الجماد ومعجزة البيان
من روائع البيان القرآني ما تجلّى في قصة موسى والخضر عليهما السلام، في قوله تعالى:
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77].
تتألق في هذه الآية الكريمة لمسة بيانية عجيبة، حين نُسبت الإرادة إلى الجدار، وهو جماد لا يملك قصدًا ولا اختيارًا. لقد قال الله تعالى: «يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ»، فجعل للجدار إرادةً تُشبه إرادة الأحياء، وكأن فيه روحًا تتململ شوقًا للسقوط. وهذه الصورة البلاغية الدقيقة تُعرف في علم البيان بـ المجاز العقلي، إذ يُسند الفعل إلى غير فاعله الحقيقي على وجهٍ مجازيٍّ يراد به تقريب المعنى وتكثيف الدلالة.
بلاغة التعبير القرآني
إن اختيار هذا التعبير المعجز ليس عبثًا، بل هو رسمٌ دقيق لمشهدٍ نابضٍ بالحياة. فبدل أن يقول النص: كاد الجدار أن يسقط، عبّر عنه بقوله: «يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ»، ليجعلنا نرى الجدار وكأنه كائنٌ حيٌّ يتهاوى من شدة التصدع. تلك الإرادة الموحاة للجدار تمنح الصورة حركةً بعد سكون، ونبضًا بعد جمود، فتجعل القارئ يلمس التآكل والتداعي في كيان الحجر كأنه يرى المشهد رأي العين.
عمق الإيجاز وروح المعنى
بهذه الكلمات القليلة، جمع القرآن وصف الحال وإثارة الشعور، فعبّر عن تآكل الجدار واقترابه من الانهيار دون إسهابٍ ولا شرحٍ مطوّل. وهنا تتجلى قدرة البيان القرآني على الجمع بين الإيجاز والدقة والتصوير في آنٍ واحد، وهو سرّ إعجازه وبهائه.
لطيفة العناية الإلهية
وراء هذا المشهد البليغ تكمن رحمة الله الخفية، إذ أقام الخضر الجدار صيانةً لمال يتيمين لم يبلغا الرشد بعد، ليعلّمنا أن التدبير الإلهي يجري في الخفاء، وأن ما يبدو في ظاهر الأمر سقوطًا قد يكون في باطنه حفظًا وسترًا ولطفًا.
إن المجاز العقلي في هذا الموضع ليس زينةً لفظية، بل هو مفتاح لفهم عمق الحكمة الربانية، إذ يربط بين بلاغة اللفظ وجلال المعنى، ويُبرز الإعجاز القرآني في تصوير الجماد وكأنه يشارك في نسيج الحياة ومشيئة الخلق.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, إعجاز القرآن, إعجاز القرآن الكريم, سورة الكهف, لطائف القرآن



