الإيجاز المعجز..

كلمة قرآنية تغني عن خطبةٍ

تخيّل كلمةً واحدة تُشعل في النفس شعلة إيمان، وتُسكت في اللسان حجج الجدل، وتُبني في القلب قصورًا من اليقين، هذا بالضبط هو حقيقة تأثير الإعجاز القرآني في إيجازه،...
الإيجاز المعجز.. كلمة قرآنية تغني عن خطبةٍ

الإيجاز المعجز..

كلمة قرآنية تغني عن خطبةٍ

تخيّل كلمةً واحدة تُشعل في النفس شعلة إيمان، وتُسكت في اللسان حجج الجدل، وتُبني في القلب قصورًا من اليقين، هذا بالضبط هو حقيقة تأثير الإعجاز القرآني في إيجازه، حيث يختصر الله عزّ وجلّ معاني العصور في لفظٍ يتيه فيه اللسان ويَفيض فيه القلب، فكلمةٌ منه تُغني عن خطبةٍ كاملة، تُحيي القلوب وتُذيب الشكوك، لا تزال البلاغة القرآنية تحتلّ مكانةً شاهقةً في ذروة الفصاحة والبيان، تتحدى بتركيبها البديع وتأليفها المعجز أن يأتي البشر بمثله، ولكن ربما يكون أبرز وجوه هذا الإعجاز هو ذلك الإيجاز المدهش الذي يحيل الكلمة الواحدة إلى عالمٍ زاخرٍ بالمعاني، ويجعل العبارة القصيرة ناطقةً بما لا تفي به الخطب الطويلة. إنه إيجاز لا يعني الحذف أو الإخلال، بل هو إيجاز “قَصْد” يجمع بين دقة اللفظ وسعة الدلالة، حيث تتحول الكلمة إلى كونٍ مكثفٍ ينضح بالحِكَم والتشريعات والمواعظ. إننا هنا إزاء ظاهرة بلاغية فذة، تضع الكلمة في موضعها الدقيق فتكشف عن قدرة خارقة على اختزال الحقائق الكبرى في ومضاتٍ لفظيةٍ باهرة.

حكمة مكثفة: “فَاصْدَعْ”

في لحظة التحول الكبرى في الدعوة الإسلامية، حين أمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة بعد سنوات من السرية، جاء الأمر في كلمة واحدة تحمل في طياتها قوةً هائلةً وعزيمةً لا تلين: “فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ” (سورة الحجر: 94). لقد أغنى هذا الفعل الآمر “فَاصْدَعْ” عن خطبةٍ كاملةٍ في الشجاعة والإقدام ومواجهة المجتمع بكل ما فيه من تحديات. إن “الصدع” لا يعني مجرد القول، بل يعني الإعلان بقوة تصل إلى حد الصدع والكسر، مواجهة الباطل بشجاعة لا تهاب، وإقامة الحق بصلابة لا ترضخ. في هذه الكلمة تجتمع الحكمة والتوجيه والتمكين النفسي، وتكفي لتحويل مسار الدعوة وتاريخ البشرية.

دستور أخلاقي: “وَاقْصِدْ”

وفي مجال التوجيه السلوكي والأخلاقي، يأتي نموذج آخر من هذا الإيجاز المعجز في قوله تعالى: “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ” (سورة لقمان: 19). إنها كلمة واحدة تختزن دستورًا كاملاً في آداب الحركة والمظهر والسلوك. فـ “القصد” في المشي يجمع بين التوازن والوقار وعدم الخيلاء أو الإسراع المخل، ليعبر عن حالة الاعتدال والاتزان التي يجب أن تنعكس على كل شؤون الحياة. إن هذه الكلمة تغني عن عشرات النصائح في التواضع وحسن السمت وثبات الشخصية، لتقدم صورة الإنسان المتزن الذي يسير على الأرض بهدوء ووعي، بعيدًا عن التكبر أو الذلة.

قاعدة تربوية شاملة: “وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا”

أما في بناء العلاقات الأسرية والاجتماعية، فيأتي التوجيه القرآني في إطار من الإيجاز العميق الذي يضع قاعدة ذهبية: “وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا” (سورة النساء: 5). هذه العبارة الموجزة كانت في سياق الحديث عن اليتامى، ولكنها تتسع لتصبح مبدأً عامًا في التعامل مع كل ضعيف، وكل من يحتاج إلى رعاية ورفق. إن “القول المعروف” يحوي في داخله كل معاني اللطف والعدل والبر والكلمة الطيبة، ويكفي وحده لهداية السلوك الكلامي في العلاقات الإنسانية كلها، ليحل محل خطبٍ عديدةٍ في فن التواصل والإحسان.

فلسفة وجودية: “وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ”

ولعل من أبلغ نماذج هذا الإيجاز ما ورد في سورة العصر، التي عدها بعض العلماء أنها تكفي وحدها هاديًا للبشرية، حيث جاءت العبارة: “وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ” (سورة العصر: 3). فهذه الكلمات القليلة تؤسس لفلسفة اجتماعية ووجودية كاملة، تقوم على مبدأ التضامن الإيجابي والتواصل البنّاء في سبيل الحق والخير. إنها ليست مجرد دعوة إلى النصيحة، بل هي تأسيس لمجتمع متكامل يقوم على التكافل الفكري والأخلاقي، وتكفي هذه الوصية الموجزة لتكون منهج حياة لفرد ومجتمع وأمة.

إن الإيجاز المعجز في القرآن الكريم ليس مجرد ظاهرة أسلوبية، بل هو دليل على سعة علم الله تعالى وإحاطته، حيث يضع الكلمة في مكانها فتعطي المعنى الكامل بدون زيادة أو نقصان. إنه إعجاز يؤكد أن هذا الكلام ليس من صنع بشر، بل هو كلام رب العالمين، الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم كيف يختزل الحكمة في كلمة، والتشريع في عبارة، والموعظة في حرف. فسبحان من أنزل هذا القرآن وجعل كلماته منارات هدى تتحدى الزمان والمكان.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك