![]()
الأصل براءة الذمّة..
إقامة العدلُ على اليقين لا على الظنون
معنى هذه القاعدة أن الإنسان خالٍ في الأصل من كل التزام، بريء من كل دَين، ومنزَّه عن كل تبعة، ولا يُلزَم بحق، ولا يُؤاخَذ بذنب، ولا يُدان باتهام، حتى يقوم الدليل الصحيح الواضح القاطع. فالأصل في الإنسان السلامة، والأمان، والبراءة، لا الاشتباه ولا الإدانة. واليقين هنا أصلٌ محكم، لا يزحزحه شكّ طارئ، ولا تضعفه ظنون عابرة.
وقد جاءت هذه القاعدة منسجمة مع روح القرآن، متجلية في قوله تعالى: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”، حيث لا تُحمَّل نفسٌ ما لم ترتكبه، ولا يُؤاخَذ إنسانٌ بذنب غيره.
وليس لهذه القاعدة بعدٌ فقهي فحسب، بل لها بُعد أخلاقي سامٍ، إذ تحفظ للإنسان كرامته، وتصون عرضه، وتحمي سمعته من سهام الافتراء، وتمنع تسلّط الألسنة بغير حق. بها يُغلق باب الظلم، ويُسَدّ طريق البهتان، ويشعر كل فرد في المجتمع أن الشريعة لا تهدّد أمنه، بل تحرسه، ولا تتربص به، بل تصونه.
وفي ميدان القضاء، تقف هذه القاعدة كالراية البيضاء في وجه الفوضى، فتجعل المدّعي مطالبًا بالبينة، والمنكر محميًا بيمين البراءة، فلا يُسلب مال، ولا تُراق دماء، ولا تُنتهك أعراض إلا بدليل يقينيّ لا يحتمل الشك. وهكذا تغدو العدالة في الإسلام عدالةً يقينية، لا ظنية، حازمة بلا ظلم، ورحيمة بلا تفريط.
وتتجلّى هذه القاعدة في حياة الناس اليومية؛ فمن ادُّعي عليه دَين فالأصل ذمته بريئة حتى يُثبت العكس، ومن وُجّهت إليه تهمة فهو بريء حتى تقوم الحجة، ومن شكّ في عبادة أو التزام فالأصل سلامتها حتى يتيقن الخلل. وهكذا تسري هذه القاعدة في تفاصيل الحياة كما يسري النور في العتمة.
وترتبط براءة الذمة ارتباطًا وثيقًا بمقاصد الإسلام الكبرى في حفظ الدين، والنفس، والمال، والعرض، والعقل، فهي درعٌ واقٍ لهذه الضرورات الخمس، وسدٌّ منيع أمام الفوضى والاعتداء، وجسر أمان يربط بين العدل والرحمة.



