هل المرأة شر لا بد منه؟

Picture of إبراهيم شعبان

إبراهيم شعبان

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: "المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها" فما تفسيركم لهذا القول؟ وهل هذا يمثل موقف الإسلام...

هل المرأة شر لا بد منه؟

س
جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: "المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها" فما تفسيركم لهذا القول؟ وهل هذا يمثل موقف الإسلام من المرأة؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعه إلى يوم الدين، وبعد:

هناك حقيقتان يجب أن نقررهما بوضوح وجلاء.

الأولى: أن الذي يمثل رأي الإسلام في قضية ما، إنما هو قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكل أحد بعد ذلك يؤخذ من كلامه ويترك، فالقرآن الكريم وصحيح السنة النبوية هما وحدهما المصدران المعصومان، إنما يأتي الخلل من سوء الفهم لهما أو لأحدهما.

الثانية: أن من المعروف لدى النقاد والمحققين أن نسبة بعض ما في “نهج البلاغة” إلى علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه، غير صحيحة، ولهم على ذلك دلائل وبراهين. ولا شك أن في “النهج” خطبًا وأقوالاً يلمس الناقد بل القارئ الواعي، أنها لا تمثل عصر الإمام في أفكارها، ولا في أسلوبها.

ومن هنا لا يجوز الاحتجاج بكل ما في “النهج” على اعتبار أنه من أقواله رضي الله عنه.

على أن المقرر في العلوم الإسلامية أن نسبة الأقوال إلى قائليها، لا تتحقق إلا بالإسناد الصحيح المتصل، الخالي من الشذوذ والعلة، فليت شعري، أين السند المتصل إلى الإمام علي، حتى نحكم على أساسه أنه قال هذا القول؟

بل لو نقل هذا القول عن علي بسند صحيح متصل، من رواة عدول ضابطين لوجب أن يرد، لما فيه من مخالفة للأصول والنصوص الإسلامية، وهذه علة قادحة توجب رد أي قول، ولو كان إسناده كالشمس.

وكيف يقول علي بن أبي طالب هذا القول، وهو يقرأ كتاب الله الذي يقرر مساواة المرأة للرجل في أصل الخلق، وفي التكاليف، وفي الجزاء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء} (سورة النساء: 1)، {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (سورة: الأحزاب: 35)… {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} (سورة آل عمران: 195) .

ويقول في شأن الزوجات: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (سورة البقرة: 187)، ويقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة الروم: 21)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنما النساء شقائق للرجال” . ويقول: “الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة” (رواه مسلم والنسائي وابن ماجة)، ويقول: “من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح”. (رواه أحمد بإسناد صحيح).

ويقول: “من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي”. (رواه الطبراني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد).

ويقول: “أربع من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة” ويذكر منها “زوجة صالحة لا تبغيه حوبًا في نفسها وماله”. (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد أحدهما جيد، كما في “الترغيب” للمنذري).

ويقول عن نفسه: “حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة”.

فكيف يخالف علي رضي الله عنه هذا كله وغيره، ويطلق القول: إن المرأة شر كلها؟!

ونستطيع – لو صح هذا القول عن علي – أن نسأله: ما قولك في زوجك، وأم ولديك السبطين الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة، أعني فاطمة سيدة النساء رضي الله عنها؟ هل يقبل الإمام علي أو يقبل المسلمون منه أن يقول عنها: أنها شر كلها؟

إن فطرة المرأة ليست مخالفة لفطرة الرجل، فكلتاهما تقبل الخير والشر، والهدى والضلال، كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (سورة الشمس: 7 – 10).

وكيف يتصور أن تكون المرأة شرًا كلها، ومع هذا لا يكون منها بد؟ كيف يخلق الله شرًا مطلقًا، ثم يسوق الناس إليه سوقًا بسوط الحاجة والضرورة؟

بل المتأمل في الكون كله يجد أن الخير فيه هو الأصل والقاعدة، وما يتراءى لنا من شر فهو جزئي ونسبي، ومغمور في الخير الكلي العام المطلق، وهو في الواقع لازم من لوازم الخير، ولهذا كان من مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه: “والشر ليس إليك” وفي القرآن الكريم {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة آل عمران: 26).

بقي هنا سؤال عن نقطة ورد بها الحديث، وهي التحذير من فتنة النساء مثل قوله صلى الله عليه وسلم “ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء”. (رواه البخاري).

وأقول: إن التحذير من الافتتان بشيء، لا يعني أنه شر كله، وإنما يعني أن لهذا الشيء تأثيرًا قويًا على الإنسان يخشى أن يشغله عن الله والآخرة.

ومن هنا حذر الله من الفتنة بالأموال والأولاد في أكبر آية في كتاب الله، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (سورة التغابن: 15)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (سورة المنافقون: 9).

هذا مع تسميته سبحانه المال “خيرًا” في عدة آيات من القرآن، ومع اعتباره الأولاد نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ} (سورة الشورى: 49).. وامتنانه على عباده بأن منحهم الأولاد والأحفاد، كما رزقهم من الطيبات: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} (سورة النحل: 72).

فالتحذير من فتنة النساء كالتحذير من فتنة الأموال والأولاد، ولا يعني أن هذه النعم شر، وشر كلها ! بل يحذر من شدة التعلق بها إلى حد الافتتان، والانشغال عن ذكر الله.

ولا ينكر أحد أن أكثر الرجال يضعفون أمام سحر المرأة وجاذبيتها وفتنتها، وخصوصًا إذا قصدت إلى الإثارة والإغراء، فإن كيدها أعظم من كيد الرجال؛ ومن ثم لزم تنبيه الرجال إلى هذا الخطر، حتى لا يندفعوا وراء غرائزهم، ودوافعهم الجنسية العاتية.

وفي عصرنا نجد أن فتنة المرأة بلغت حدًا فاق كل العصور السابقة، وخيالات أهلها، وأصبح الهدامون يتخذون منها معولاً لهدم الفضائل والقيم المتوارثة، باسم التطور والتقدم.

والواجب على المرأة المسلمة أن تتنبه لهذه المؤامرات، وأن تربأ بنفسها أن تتخذ أداة هدم في أيدي القوى المعادية للإسلام، وأن تعود إلى ما كانت عليه نساء الأمة في خير قرونها: البنت المهذبة، والزوجة الصالحة، والأم الفاضلة، والإنسانة الخيرة العاملة لخير دينها وأمتها، وبذلك تفوز بالحسنيين، وتسعد في الدارين.

والله أعلم

 

ذات صلة
حكم الإفرازات البنية التي يصحبها ألم كألم العادة
عمري ١٩سنة ومتزوجة، ومنذ ٤شهور والدورة عندي منتظمة، وبين كل عدة شهور تضطرب، فمرة تأتي متأخرة بعد أسبوع...
المزيد »
حكم تقطع دم النفاس قبل تمام الأربعين
وَلدتُ منذ 35 يوما، والدم أحيانا ينقطع بالأيام، وأحيانا يستمر. وأنا اليوم مسافرة إلى مكة، ويوجد دم. فهل...
المزيد »
الدم الذي تراه المرأة بعد إسقاط الجنين وأثره على الصوم
أنا في رمضان الماضي كنت حاملًا في الشهر الثاني، وكان حملي بنزيف بسبب الحمل فوق اللولب، ولم يستطيعوا إخراج...
المزيد »
حكم معاودة الدم بعد الطهر
أتتني الدورة 7 أيام تقريبا، وفي اليوم التالي لم ينزل شيء مني، فتطهرت وصليت، وبعدها بساعات نزل مني دم...
المزيد »
ما تفعل المرأة إذا زادت عادتها عن خمسة عشر يومًا؟
أنا في حيرة من أمري، فبعد ولادتي استخدمت اللولب، وحصل معي اضطرابات في الدورة، مع العلم أنه تم تركيبه...
المزيد »
أثر استعمال اللولب على العادة الدورية والعبادة
أستخدم مانع حمل، وُضع في الرحم، وعلى إثره أصبحت الدورة الشهرية مدتها طويلة جدا، تصل إلى ثلاثة أسابيع....
المزيد »
الصفرة والكدرة غير المسبوقة بدم الحيض
منذ سنة تقريبًا بدأت أرى قبل الحيض بيوم واحد فقط كدرة يصاحبها ألم، ومغص الدورة العادية، ثم يتبعها في...
المزيد »
بعد الانتهاء من الصلاة وجدت كدرة كثيرة
عند صلاة العصر لاحظت بعض الإفرازات، وكانت ذات لون مختلف عن الإفرازات العادية؛ فاستنجيت، وتحفظت بمنديل،...
المزيد »
ما حكم الصفرة والكدرة والدم العائد بعد الطهر
عندي إشكالية في التفريق بين الحيض، والاستحاضة، وأعاني من هذا الشيء شهرياً، خصوصاً أن معي مشاكل في الغدة،...
المزيد »
حكم الإفرازات البنية وما شابهها بعد مدة العادة بسبب اللولب
أحتاج إلى فتوى شرعية. أنا متزوجة، ودورتي الأصلية 7 أيام، والحمد لله، منتظمة. بعد تركيب اللولب، أجد في...
المزيد »
من نزل منها دم أسود في غير وقت الدورة الشهرية
ينزل مني دم أسود في غير وقت الدورة الشهرية، فهل تجوز الصلاة و الصيام معه؟ وأنا أفقد الإحساس بالخشوع دائمًا،...
المزيد »
حكم الطهر المتخلل للنفاس
ولَدت ولادة قيصرية منذ عشرين يوما تقريبا، وبعد الولادة بخمسة أيام، رأيت علامة الطهر، وصليت يومين. سألنا...
المزيد »
معنى كون الصفرة والكدرة تعد حيضا في مدة العادة
جزاكم الله خير الجزاء على موقعكم الرائع والمفيد: قرأت الكثير من الفتاوى هنا واستفدت ـ ولله الحمد ـ وهناك...
المزيد »
حكم الكدرة بعد الطهر
بعد الاغتسال من الدورة وجدت إفرازا بنيا قليلا عند الذهاب إلى دورة المياه ـ أكرمكم الله ـ وعند المسح لم...
المزيد »
حكم الصفرة المتصلة بالدم إذا تجاوزا خمسة عشر يوما؟
ما هي الحالة التي إذا استمر فيها الدم أو الصفرة المتصلة بالدم لأكثر من 15 يوما تغتسل المرأة وتصلي بعد...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك