![]()
محنة الفرد المسلم في مجتمع لا يحكمه الإسلام
- فتاوى
- المعاملات
- سماحة الشيخ /
- يوسف القرضاوي
- المصدر | موقع الشيخ يوسف القرضاوي
إبراهيم شعبان
محنة الفرد المسلم في مجتمع لا يحكمه الإسلام
- المعاملات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فأبدأ رسالتي إليكم بإزجاء الشكر لكم على ما أضفتموه علي في رسائلكم السابقة من أوصاف وفضائل، أسأل الله تعالى أن يجعلني لها أهلا، وأن يحقق حسن ظنكم بي، ويغفر لي ما لا تعلمون .
وأثني بالمعذرة عن تأخري في الإجابة عن رسالتكم بل رسائلكم، التي سرني ما تضمنته من معان تدل على فهم ووعي، وخبرة بالحياة والناس، والحقيقة أني أخرت الرد عليكم عن قصد حسن لا عن إهمال متعمد، فقد كنت أؤمل أن أجد عند نفسي فراغًا يمكنني من كتابة رد مفصل على رسالتكم، نظرًا لما اشتملت عليه من رغبة صادقة في معرفة حكم الإسلام – كما أتصوره على الأقل من وجهة نظري – في مسائل مهمة، أصبحت جزءاً من حياتنا الحاضرة للأسف الشديد .
ورغم طول المدة لم أتمكن من تحقيق ما رغبت فيه حتى جاءتني رسالتك الأخيرة، فأجبرتني على أن أكتب لك شيئًا رغم ضيق الوقت وكثرة الشواغل، ومشكلة أمثالنا: أن الواجبات عندهم أكثر من الأوقات، والزمن لا ينتظر، والناس لا يعذرون، والعمر قصير، والظهر كليل، وقد قال حكيم: لا تسأل الله يخفف حملك ولكن سله أن يقوي ظهرك.
إن المسائل التي سألت عنها كلها تنبع من عين واحدة، وكلها يعبر عن مشكلة واحدة، وهي مشكلة الفرد المسلم يعيش في ظل نظام غير إسلامي، وحياة غير إسلامية .
إن كل الأمور التي سألت عنها من التأمين على البضائع، والاقتراض من البنوك لتوسعة التجارة، ووجود ضرائب تصاعدية عالية في بعض البلاد، مع ما يجب على المسلم في ماله من زكاة … كل هذه وأمثالها، لم تكن لتحدث لو كان نظام الإسلام هو الذي يحكم الحياة، ويقود المجتمع وفق شرع الله. ولكن مأساتنا أننا أخذنا أنظمة الحضارة الغربية وخاصة في المال والاقتصاد ،وهي أنظمة رأسمالية، تقوم في الأساس على فلسفة للمال غير فلسفتنا، ونظرة للحياة غير نظرتنا. فالربا يجري منها مجرى الدم في العروق، لا تحيا إلا به، ولا يمكنها الاستغناء عنه، والمعاملات المشتملة على (الغرر) تسري في نظامها كله.. ولهذا يكون من الظلم أن نحاول نحن ترقيع هذا النظام بأجزاء إسلامية، لأن هذه الأجزاء ستكون ( قطع غيار ) في غير جهازها وغير مكانها.
إن خطأنا الأساسي أننا نستفتي الإسلام في مشكلات لم يصنعها هو، ونريد منه أن يعالج أمراضًا جلبناها نحن من مكان آخر، ولم نتبع أسلوب الإسلام في الوقاية منها.
نستورد نظام المصارف أو البنوك بعجره وبجره، كما أنشأته الرأسمالية الغربية الربوية اليهودية، ونخضع رقابنا له، ونجري معاملاتنا على أساس وجوده. ثم نقول للإسلام: حل مشكلاتنا مع البنوك الربوية .
وجواب الإسلام الصحيح: أن دعوا هذه البنوك وأسسوا لأنفسكم مصارف أو (بنوكًا) إسلامية الأساس تقوم على غير الربا وتتعامل بشرع الله – إن كنتم مؤمنين .
وليس هذا بالمستحيل ولا بالمتعذر لو صدقت النيات وصحت العزائم، فقد قيل: إذا صدق العزم وضح السبيل.
وقد كتب كثير من الباحثين الإسلاميين المتخصصين في المالية والاقتصاد كثيرًا من البحوث الجيدة حول إقامة مصارف إسلامية، ووضعوا مشروعات عملية لهذا، ولا يحتاج الأمر إلا إلى التبني من جهات تملك المال والنفوذ .
قد تقول: وما ذنب الفرد إذا انحرف المجتمع، أو انحرفت الأنظمة والحكومات ؟ وماذا يستطيع أن يفعل وهو فرد، لا يقطع عرقًا ولا يريق دمًا ؟
والجواب: أن المجتمع ما هو إلا أفراده، وقد ساهم هو بسكوته ورضاه، بل بتعامله الإيجابي مع المؤسسات اللا إسلامية – في صنع الواقع المخالف للإسلام.
وينبغي أن يظل الفرد المسلم غير راض عن نفسه، وعن الأوضاع المعوجة من حوله وأن يبقى هذا الشعور حيًا متوقدًا بين جنبيه، حتى يستطيع – بالتعاون مع أمثاله من المؤمنين الثائرين على حياتهم وعلى إنحرافات مجتمعهم أن يعملوا على تغيير الأوضاع اللا إسلامية إلى أوضاع إسلامية، يومًا ما.
إن هذه الشحنة هي رصيد هذا التغيير المنشود. وبدون هذه الشحنة النفسية من الغضب والنقمة لا أمل في أن يستقيم نظام أعوج، أو يصحح وضع منحرف.
لابد أن يبقى الفرد المسلم في ظل الأوضاع المذكورة شاعرًا بالإثم، وبالضيق، وبالتبرم، فإن هذا الإحساس من بقايا الإيمان، لأن معناه أنه لا يزال يرى المعروف معروفًا والمنكر منكرًا و أن أخطر ما تصاب به الأمة المسلمة أن تفقد – بطول رؤيتها للمنكرات وإلفها لها – إحساسها بها، وتمييزها لها، فلا تلبث أن يختلط عليها الأمر ويلتبس عليها السبيل، وتضطرب في حياتها الموازين، حتى ترى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا. وقد تتوغل في الضلال، فتنتهي إلى مرحلة أسوأ وأقبح، وهي أن تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، وربما تفعل ما فعلت بنو إسرائيل، فتقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس .
إني أشعر ويشعر كل عالم غيور فاهم لحقيقة الإسلام وحقيقة الأوضاع من حوله ولا يأخذ الأمور بظواهرها، ومن سطوحها لا من أعماقها – أشعر بأن الفرد المسلم يعاني من هذه الأوضاع ما ينوء به ظهره، إذا أراد أن يحيا مسلمًا حقًا، غير مخدوش الإسلام .
ولكني أشعر بجوار ذلك أن من المخاطرة بدين المرء، وبمصير المجتمع كله – إصدار ( فتاوى تبريرية ) غايتها محاولة إيجاد مخارج فقهية لإضفاء الشرعية على الواقع الذي يضغط علينا ضغطًا شديدًا، ناسين أن رسالة الدين أن يرتفع بواقع الناس إلى مثله العليا، لا أن يهبط بِمُثِلِه ليبرر واقع الناس .
إن هزيمتنا الروحية والفكرية أمام الحضارة الغربية وشعورنا بالنقص تجاهها، هي التي وضعتنا هذا الوضع الغريب، وهي محاولة تطويع الدين للحياة، بدل تطويع الحياة للدين .
وأي حياة ؟: إنها حياة لم نصنعها نحن بعقولنا وأيدينا مختارين، بل صنعت لنا فأخذناها كما هي، فنحن معها مجرد مستوردين يأخذون ما يصنع لهم، لا منتجين يصنعون ما يلائمهم. وفرق كبير بين الصانع والمستورد. الصانع إيجابي منشيء، والمستورد سلبي مستقبل.
ولئن جاز استيراد السلع المادية على كراهة، لا يجوز استيراد الأفكار والمذاهب، وما ينبثق عنها من أنظمة تعبر عنها، ولئن حدث ذلك في غفلة الزمن وغيبة الشخصية الإسلامية عن مسرح الواقع – لا يجوز أن يكون عملنا الفكري البحث عن فتاوى، لإلباس الأوضاع الأجنبية زيًا شرعيًا .
إن أول مظاهر السيادة والاستقلال أن نتحرر من عقدة النقص تجاه الغرب وفلسفته وحضارته وأنظمته، وأن نصمم على أن نقول “لا” بملء فينا، لكل ما لا يوافق ديننا .
إننا لا نبقي للدين أي احترام إذا جعلنا مهمته تبرير الواقع وتسويغ ما يفعله الحكام، الحكام يمينيين كانوا أو يساريين، رأسماليين أو اشتراكيين. أي جعلناه مجرد ( موظف تشريفات ) عمله أن يرحب بكل وضع جديد، ويبارك كل نظام مستحدث، فهو في أيام سطوة الرأسمالية يحلل الربا والاحتكار والتظالم الاجتماعي، وفي أيام سطوة الاشتراكية يجيز التأميم والمصادرات بحق وبغير حق ..
المشكلة إذن ليست مشكلتك يا أخي وحدك، ولكنها مشكلة الأمة الإسلامية في هذا العصر: هل تريد أن تعيش بالإسلام وتحيي نظامه وحضارته أم تريد أن تظل ذيلا للحضارة الغربية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي .
وبعبارة أخرى: هل تريد أن تعيش لرسالتها، أصيلة تقود ولا تقاد وتُتبع ولا تَتبع أم تريد أن تحيا حياة القرود، مهمتها التقليد والمحاكاة ؟
الأمر يا أخي أكبر مما تتصور، ويتصور بعض المتعجلين من المشتغلين بالفقه والفتوى، فلا تحمل على علماء الدين إذا خالفوك في الاتجاه، ولا ترمهم بجهل الدين والحياة، وثق أن عمر – الذي تحدثت عنه في رسالتك – لو كان موجودًا اليوم لرفض هذه الأوضاع كلها، وغيرها باسم الإسلام، ولم يجعل أكبر همه أن يسوغها بأي سبيل .
على أن المسائل التي سألت عنها ليست في درجة واحدة من حيث القبول والرفض، ولعل أقربها إلى القبول عملية التأمين على البضائع فيمكن أن يكون لها وجه من الناحية الشرعية لولا أنها مشوبة بالربا، كما هو الشأن في كل شركات التأمين حاليًا.
ويمكن إجازة ذلك بحكم الظروف الراهنة، وبقدر الحاجة، بخلاف التأمين على الحياة، فهو بعيد كثيرًا عن صور المعاملات الإسلامية، ولا ضرورة إليه .
أم الاقتراض من البنوك بالفوائد، فهو حرام قطعًا، لأنه الربا الذي لعن محمد صلى الله عليه وسلم آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه. ولا يحل مثل هذا الحرام القطعي إلا لضرورة، مثل الحاجة إلى القوت للأولاد، والكسوة الضرورية لهم، وعلاج المريض الذي يخشى عليه من تفاقم المرض ونحو ذلك .
أما التوسع في التجارة فليس ضرورة يباح لها مثل هذا الحرام الذي آذن القرآن أصحابه بحرب من الله ورسوله .
وليعش المسلم قانعًا بالقليل من الحلال مباركًا له فيه، بدل الكثير من الحرام الذي يمحقه الله في النهاية، فالربا وإن أكثر فهو إلى أقل .
أما موضوع ما تدفعه من ضرائب تصاعدية باهظة لتلك الدولة التي ذكرتها من الزكاة، وهي دولة لا دينية، ومن بين سكانها مسلمون ونيتك أن يكون هذا للمسلمين من رعاياها.. فهذا ما لا يجوز بحال. فإنما يصح أن يحتسب ما يؤخذ من المال زكاة إذا توافرت له شروط ثلاثة .
1. أن يؤخذ ما يؤخذ باسم الزكاة ورسمها، أي بشروطها ونسبها ومقاديرها الشرعية، لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الكبرى، والشعائر لابد أن تبقى لها صورتها وعنوانها .
2. أن يصرف في مصارف الزكاة الشرعية كما أمر الله في كتابه. وهذا مترتب على الأول .
3. أن يدفع بنية الزكاة، لأنها عبادة ولا تجزيء إلا بنية .
فلو سلمنا بتحقيق الشرط الثالث وهو النية، فمن أين لنا بالشرطين الأولين ؟
ولقد رجحت في كتابي ( فقه الزكاة ) أن الضرائب الوضعية في البلاد الإسلامية نفسها لا يجوز أن تحتسب من الزكاة، فكيف ببلاد وثنية أو لا دينية لعل المسلمين لا يصيبهم من دخل حكوماتها إلا الفتات لو أصابوه .
وما اخترته هنا هو ما أفتى به العلامة المجدد السيد رشيد رضا، وشيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت رحمهما الله. وقد قرأت أخيرًا أن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد في القاهرة في مايو 1965 اتخذ ذلك قرارًا هذا نصه:
( إن ما يفرض من الضرائب لمصلحة الدولة، لا يغني القيام به عن أداء الزكاة المفروضة ).
ولهذا، فإن عليك أن تقوى إرادتك، وتعزم على إخراج زكاتك، تطهيرًا لنفسك ومالك وشكرًا لنعمة الله عليك، فما أظن تلك الضرائب تطهر نفسًا أو مالا أو تفي بشكر النعمة، ولا أظنك تعتقد هذا أيضًا.
ومعنى هذا أن المتدين يتحمل من الأعباء المالية ما لا يتحمله غيره، وهذا صحيح. ولكن هذه ضريبة الإيمان والإسلام في عصر ضعف فيه الدين، وقل اليقين، ولهذا جاء في الحديث: ( أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر ) وكان المستمسك بدينه في خضم فتن هذا العصر له أجر خمسين من بعض الصحابة.
وأعتقد أن في هذه الصفحات ما يكفي لتوضيح ما سألت عنه، ووصله بجذوره الحقيقية، وما كنت أحسب حين أمسكت بالقلم إلا أنني سأكتب لك سطورًا معدودة، ولكن الله هو الذي قدر لي أن أكتب ما كتبت، عسى أن يكون فيه نفع وعبرة.
أما ما تشكوه من إرهاق الجسم، وقلق النفس، وتوتر الأعصاب، فأنصحك بتلاوة القرآن تلاوة تدبر، والتضرع إلى الله تعالى والوقوف على عتبته موقف العبودية الخاشعة، ومجالسة الصالحين ما استطعت وقراءة سيرهم، ففي ذلك شفاء لما في الصدور .
وإني لمعجب بكلامك العميق البصير عن الطب النفسي ورجاله، وأسأل الله أن يشرح لك صدرك، وييسر لك أمرك، ويثبت على الحق قدميك، ويجعل لك نورًا تمشي به في الظلمات، وفرقانًا تميز به بين المتشابهات، ويغنيك بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه، وأن يجعل لنا حظًا من هذه الدعوات معك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
————
– عن كتاب “فتاوى معاصرة” الجزء الأول.



