في قراءات القرآن الكريم

دخلت أحد المساجد في انتظار الصلاة، فتناولت مصحفًا من المصاحف الموجودة بالمسجد، لأقرأ ما تيسر من القرآن، وصادفتني سورة الروم، فأخذت أقرؤها حتى وصلت إلى هذه الآية الكريمة: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثُمَّ...

في قراءات القرآن الكريم

س
دخلت أحد المساجد في انتظار الصلاة، فتناولت مصحفًا من المصاحف الموجودة بالمسجد، لأقرأ ما تيسر من القرآن، وصادفتني سورة الروم، فأخذت أقرؤها حتى وصلت إلى هذه الآية الكريمة: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} وقد هالني أني وجدت كلمة "ضعف" و "ضعفًا" في الآية مشكولة بالضم في المواضع الثلاثة من الآية، وهو خلاف ما حفظت عليه هذه الآية، وما سمعته من الحفاظ، وما قرأته في شتى المصاحف المطبوعة في مصر، والمعتمدة من الأزهر الشريف. ولهذا وقر في نفسي أن هذا غلط مطبعي، وبخاصة أن هذا المصحف مطبوع في الهند، ولم تعتمده جهة علمية دينية معروفة كالأزهر. ولهذا لجأت إليكم لأعرف وجهة نظركم، فلعل لهذا عندكم تفسيرًا، أو لعلها قراءة غير القراءة التي نقر بها نحن في البلاد العربية. أرجو البيان والإيضاح. (أ. ر. ج - الدوحة)
جــــ

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

أشكر الأخ – أولاً – على غيرته على كتاب الله العزيز، وحرصه على تلاوته كلما تيسر له ذلك. وأشكر له – ثانية – أنه بادر بالسؤال عندما ساوره الشك ليصل إلى اليقين، وهذا هو واجب المسلم: أن يسأل إذا لم يعلم، ولا يتسرع بالحكم. فإنما شفاء العي السؤال.

ثم أطمئنه على أن ما هاله وأزعجه ليس غلطًا مطبعيًا، ولا لغويًا، ولا دينيًا فقد صحت القراءة بالفتح والضم كليهما في ” ضعف ” و” ضعفًا ” في الآية الكريمة. قرأ خمسة من القراء السبعة بالضم، وقرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد، وقال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم (1).

ومن المعلوم أن القراءة المشهورة عندنا في المشرق العربي هي قراءة حفص عن عاصم. وهي التي طبعت عليها المصاحف التي نقرؤها، وهذه هي القراءة المشهورة في الهند وباكستان أيضًا – على ما أعلم – فكان مقتضى ذلك أن تضبط الكلمة بفتح الضاد في المصحف الهندي، ما دامت قراءة عاصم بالفتح، والجميع هنا وفي الهند يأخذون بقراءة عاصم برواية تلميذه حفص.

فكيف جاء الضم؟ والذي يرجع لكتب القراءات، مثل كتاب ” القراءات السبع ” لأبي عمرو الداني. و” النشر في القراءات العشر ” لابن الجزري، يعرف السر في مخالفة المصحف الهندي للمصاحف الأخرى المتداولة.

فقد روي عن حفص أنه اختار الضم في الآية خلافًا لشيخه عاصم، لحديث روي عن ابن عمر مرفوعًا في ذلك. وجاء عن حفص أنه قال: ” ما خالفت عاصمًا في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف “. قال ابن الجزري: وقد صح عنه – أي حفص – الفتح والضم جميعًا.

ونقل عن الحافظ أبي عمرو الداني قوله: واختياري في رواية حفص .. الأخذ بالوجهين: بالفتح والضم، فأتابع بذلك عاصمًا على قراءته، وأوافق حفصًا على اختياره. قال بن الجزري: قلت: وبالوجهين قرأت، وبهما آخذ (2).

وبهذا نعلم أن المصحف الهندي لم يخرج عن قراءة حفص، وإن خالف بذلك عاصمًا شيخه، ولعل الذي رجح ذلك لدى إخواننا الهنود أن الضم لغة قريش، وللغة قريش فضلها، وأن حديثًا مرفوعًا جاء بهذه القراءة، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا} [الروم: 54] فقال: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا) ” ثم قال: ” قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأتَ علي فأخذ عليَّ،، كما أخذتُ عليك “.

والحديث إسناده ضعيف، وإن حسنه الترمذي. لضعف عطية العوفي (3)، والقراءتان ثابتتان بالتواتر المستيقن، ولا اعتراض على واحدة منهما.

والحمد لله، لم يوجد كتاب في الوجود نال من العناية والرعاية والتدقيق – حتى في ضبط حروفه وكلماته، وفي طريقة نطقها وتلاوتها، ومقدار مدها أو غنها، معشار ما ناله كتاب المسلمين: كتاب الله، القرآن المجيد: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [لحجر: 9].

………………….

(1) تفسير القرطبي جـ 14 ص: 46، 47.

(2) النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، بمراجعة الشيخ علي محمد الضباع شيخ المقارئ المصرية جـ 2، ص: 345، 346 مطبعة مصطفى محمد بمصر.

(3) رواه احمد (5227) وقال مخرجوه: إسناده ضعيف، والترمذي في القراءات (2936)، وأبو داود فيالحروف والقراءات (3978).

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك