احترام قوانين وأنظمة البلد

ما مدى التزام المسلم بالوعود والمواثيق التي يقطعها مع غير المسلمين؟ وهل يجوز له أن يخل بها من غير حاجه داعية لذلك؟...

احترام قوانين وأنظمة البلد

س
ما مدى التزام المسلم بالوعود والمواثيق التي يقطعها مع غير المسلمين؟ وهل يجوز له أن يخل بها من غير حاجه داعية لذلك؟
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله، وعلى خاتمهم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. (أما بعد)

فإن المسلم ـ بمقتضى التزامه بأحكام شريعة الإسلام ـ ملزم باحترام قوانين وأنظمة البلد الذي يؤذن له بالدخول فيه زائرًا أو مقيمًا، لأنه دخل البلد على هذا الشرط، فيجب أن يراعيه ولا يخل به. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” المسلمون عند شروطهم” (1).

والمسلم إذا قال كلمة، أو وعد وعدًا، أو أعطى عهدًا، أو أقسم قسمًا، فالواجب الذي يحتمه عليه دينه: أن يصدق في حديثه، وأن ينجز وعده، ويفي بعهده، ويبر بقسمه. حتى يكون من المؤمنين الذين وصفهم الله بقوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} (المؤمنون:8)، وحتى يستجيب لأمر الله تعالى في كتابه: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} (النحل: 91)، وقال تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} (الإسراء:34)، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (التوبة:119)، وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة ووفيرة.

ومن لم يحافظ على هذه الأخلاق التي أمر بها القرآن والسنة دخل في زمرة المنافقين الذين تكذب أفعالهم أقوالهم، وينافي سلوكهم مقتضى إيمانهم، وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون؟. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} (الصف: 2،3)، وقال تعالى في ذم المنافقين: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} (البقرة:10)، بل استحق وعيد الله تعالى ولعنته وغضبه، فقد قال سبحانه: {ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين} (آل عمران:61).

وقال عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (آل عمران:77). وكان من المنافقين الذين قال فيهم رسول الإسلام: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان (2)”، وقال: “أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”(3).

ولا يتصور مسلم ملتزم بدينه ـ ولو كان فردًا عاديًا ـ أن يقطع على نفسه عهدًا أو ميثاقًا، ثم ينكث العهد وينقض الميثاق، ويدخل في زمرة من ذمهم القرآن الكريم أشد الذم وأبلغه في مثل قوله تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} (الرعد:25).

فما بالكم إذا كان هذا المسلم قائدًا يشار إليه بالبنان، وأسوة يتعلم الناس منه فضائل الإسلام، وأخلاق الإيمان. مثل أخينا موسى أبو مرزوق الذي أعرفه شخصًا مسلمًا يخشى ربه ويحرص على مرضاته، ولا يبيع دينه بعرض من الدنيا؟. يستوي في هذا أن يكون التعامل مع المسلمين ومع غير المسلمين، فالأخلاق عند المسلم لا تتجزأ، ولا تتفاوت ولا تتناقض.

وتحدثنا كتب السنة والسيرة أن حذيفة بن اليمان وأباه، لما خرجا ليشهدا معركة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذهما مشركو قريش، ثم أطلقوا سراحهما بعد أن أخذوا منهما عهدًا ألا يقاتلا مع الرسول ضدهم. فأتيا النبي الكريم فأخبراه بالقصة، يريدان أن يشتركا في القتال، فأبى الرسول عليهما، وقال: “انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم” رواه أحمد ومسلم وغيرهما (4).

وفي صلح الحديبية وأثناء كتابة عقد الصلح بين رسول الله وسهيل بن عمرو، وضمن بنوده: أن من جاء من المشركين إلى رسول الله يرده إلى قريش. في هذه اللحظة وصل أبو جندل بن سهيل بن عمرو نفسه، يرسف في قيوده ويشكو من تعذيب قريش له، ويسأل الرسول أن ينقذه مما هو فيه، ولكن سهيلاً قال: إن العقد قد تم بيني وبينك يا محمد قبل أن يأتيك هذا‍‍‍‍!. وجعل سهيل يأخذ ابنه بتلابيبه، ويجره ليرده إلى قريش، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأردّ إلى المشركين، يفتنوني في ديني؟

وهنا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك ـ وأعطونا ـ عهد الله، وإنا لا نغدر بهم” (5).

هذا هو الإسلام، وهذا هو موقف المسلم.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

………………

(1) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (38).

(3)  متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو، المصدر السابق (37).

(4) انظر: فيض القدير جـ 6/ 283، وصحيح الجامع الصغير وزيادته، الحديث رقم (6781).

(5) روى ابن إسحاق ذلك في قصة الحديبية، وأصل الحديث في صحيح البخاري ومسند أحمد. أنظر: البداية والنهاية لابن كثر جـ 4/ 169 طبعة بيروت.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك